[ عنوان المقال المنشور : Iran’s Game in Yemen، نشر في : foreign affairs ]

   تدخلت السعوديّة عبر جيشها في السنوات الأربع الماضيّة في البحرين و اليمن، و كان دفاعها المنطقي عن ذلك التدخل و تبريره يتمثل في حجة حماية تلك الدول من ” التآمر الفارسي” ففي نقاشات الرياض لسياساتها الخارجيّة فإنها تعمد لتصوير إيران كقوة مهيمنة تدعم و بشكل شائن وكيلها الحوثي الشيعي معجلةً بحرب أهليّة في اليمن، و هو الصراع الذي و صفه السفير السعودي في الأمم المتحدة- عادل بن أحمد الجبير-  بأنه صراع بين ” الخير و الشر ” .

و لكن السعوديّة تبالغ و بشكل فظيع في وصف قوة و نفوذ  إيران في اليمن لتبرر طموحاتها التوسعيّة الخاصة . فإيران ليست السبب في الحرب الأهليّة اليمنيّة و لا الحوثيون وكلاء لها . إنها الفوضى ، و ليست إيران من يتحكم باليمن .

فبلا  مصالح إقتصاديّة أو سياسيّة حيويّة في اليمن فإن إيران  دعمت الحوثيين – بانتهازيّة- لتخلق لها مجال نفوذ سياسي، و قد قامت بذلك بتوظيف قوتها الناعمة و بأقل تكلفة، فالحوثيون مهتمون بإيران أكثر من إهتمام أو حاجة إيران لهم . و بالطبع فإن إيران، كما المجتمع الدولي، معنيّة و مهتمة بشدة بأمن مضيق باب المندب في اليمن  ، الذي يتدفق عبره نفط بملايين الدولارات و لكنها لن تشارك عسكريّاً في الحرب الاهليّة المستمرة منذ أمد ، بما أنّ إيمان طهران السليم بأنّ لا حل عسكري سيكون مجديّاً للصراع . و الآن لا يبدو أنّ القصف السعودي لليمن أو حتى التواجد العسكري على الأرض سيهزم الحوثيين أو يوقف تمدد النفوذ الإيراني في اليمن .

الجيران الفضوليون

نظرت المملكة العربيّة للسعوديّة لليمن و منذ إنشائه عام 1932 ، كفنائها الخلفي الخاص ، و تدخلت بشكل متكرر و متلاحق  في شؤونه الداخليّة .

كما أنّ إيران كانت مهتمة بشكل هامشي في اليمن ، ففي عام 1963 – على سبيل المثال – عندما أطاح “عبدالله السّلال” بالإمام “محمد البدر ” ملك المملكة المتوكليّة، و أسس جمهوريّة ، قدم شاه إيران دعماً ماليّاً محدوداً إلى الملكيين.

و “البدر” ينتمي – كالحوثيين- إلى الطائفة الزيدية الشيعيّة ، التي انشقت عن المدرسة الشيعيّة الرئيسة في القرن التاسع عشر ، و حكم الزيديون اليمن لعدة قرون ، إلا أنّ الطائفة أصبحت -و بالتدريج- مهمشّةً بعد الحرب الأهليّة التي استمرت من عام 1962 إلى عام 1970.

بعد ذلك و بشكل لا يخلو من مفارقة ، جعلت الثورة الإسلاميّة في إيران حياة الزيدين أكثر صعوبة ، إذ  و ردّاً على جهود إيران في تصدير الثورة ، شجّعت المملكة العربيّة السعوديّة و موّلت أنتشار الوهابيّة، التي هي نسخة متزمتة من الإسلام، يساء إستخدامها من قبل بعض الجماعات المتطرفة و  العنيفة  لتبرير  أفعالهم .

و في الثمانينات و التسعينات أنفق السعوديون مليارات الدولارات في بناء المدارس الدينيّة و نشر الوهابيّة في اليمن و غيره من الأماكن، و شكلت الحملة الوهابيّة ضد الشيعة تهديداً للمجتمع الزيدي، إلا أنّ الحكومة اليمينيّة العلمانيّة و التي تعتمد على السخاء المالي السعودي لم تفعل شيئاَ لمساعدة الزيديين.

 في حقبة الثمانينات قرر الشاب الزيدي  ” حسين بدر الدين الحوثي” – و هو من عائلة دينيّة مبرزة – أن يفعل شيئاً ، مدفوعاً يالإحباط الناتج عن تهميش الزيديين و انتشار الوهابيّة ، فزار إيران عام 1986 بإلهام من الثورة الإسلاميّة و من غير الواضح إن كان قد إلتقى بأي من القادة الإيرانيين رفيعي المستوى ، أو أنّه قد تلقى أي دعم مالي أو عسكري من طهران ، كما لا يوجد دليل لى تحولّه إلى المذهب الإثني عشري-عقيدة الدولة في إيران- و تخليّه عن الزيديّة .

و بعد عودته من إيران اعتنق الحوثي المباديء المتطرفة للسياسة الخارجيّة الإيرانيّة؛ و هي المعارضة الشديدة للولايات المتحدة و إسرائيل، كما شرع في تنظيم الزيديين و أصبح عضواً في البرلمان في التسعينيات ، و بخيبات أمل متزايدة من سياسات الحكومة أصبح أكثر راديكاليّة و صراحةً ، و أخيراً – في العقد الأول من القرن الحادي و العشرين- برز كزعيم لحركة جديدة سميت باسمه .

 و سرعان ما تطورت حركة الحوثيين إلى تمرد و تحدٍ كبير للرئيس “علي عبدلله صالح ” – الزيدي العلماني- المعروف سياسيّاً بخطه الميكافلي، مصمماً – كحاكم مستبد -على القضاء على التمرد الذي يتمركز في محافظة صعدة شمال اليمن ، على الحدود مع المملكة العربية السعوديّة ، و أدان صالح الحوثيين لمخططاتهم الإنفصاليّة و لسعيهم الإطاحة به ، بينما أصر الحوثيون على أنّ هدفهم هو تمكين الزيديين جميعهم من علمانيين و غير علمانيين ، و لمدة عشر سنوات تقريباً ، خاض الجانبين حروباً شرسة قتللت و شردت آلافاً من الناس .

و قتل “حسين” [ حسين الحوثي] في الحرب الأولى من قبل القوات الحكوميّة اليمنيّة ، إلا أنّ الحركة ازدهرت إذ تولى رئاسة الحركة شقيقه ” عبدالملك الحوثي” عام 2009 . و وصلت المواجهات بين الحكومة و الحوثيين ذروتها عندما انضمت القوات الجويّة السعوديّة إلى الحكومة اليمنيّة ، و قد فشلت العملية المشتركة و استولى الحوثيون – مؤقتاً- على قريتين داخل الإراض السعوديّة حينئذ، كما يقال أنّ السعوديين شرعوا في إخلاء سكان بعض المناطق الحدوديّة إلى داخل الأراض السعوديّة إذ أظهر بعض القاطنين المحليين بعض تعاطفٍ تجاه الزيديين.

و بعدها، طالت  الحرب، فاقترح الحوثيين دعوة آية الله “علي السيستاني” ، الزعيم الشيعي الأكثر شعبية العراق و المعروف لاعتداله، للتوسط بين الأطراف المتحاربة، إلا أنّ  النداء سقط على آذان صماء ،  و رفض رجل دين سعودي- محمد العريفي-  السيستاني لكونه “كافر”، و في غضون ذلك ، أصبح الحوثيين -أيديولوجيا- أقرب من أي وقت مضى إلى طهران.

كان و صول الربيع العربي عام 2011 إلى اليمن هديّة للحوثيين ، عندما احتل اليمنيون الشوارع دعماً للديموقراطيّة ، أنضّم الحوثيون- الذين هم غير ديموقراطيين – لهم . و انهت الأحتجاجات 37 عاماً من حكم “صالح ” و فاز نائب الرئيس “عبدربه منصور هادي” في سباق الرئاسة بالتزكيّة ، و هو حكم مدعو سعوديّاً  إلا  أنّه لم يدم طويلاً . إذ انضم صالح و شبكته الواسعة داخل الجيش و المخابرات إلى الحوثيين لإسقاط “هادي” ، الذي هرب إلى المملكة السعوديّة .

و اليوم ، يتحكم الحوثيون و شركائهم بصنعاء و معظم اليمن ، و مع ارتكاب الحوثيون لإعمال إرهاب و ترهيب إلا أنهم لم يكونوا ليتقدموا دون تحالف تكتيكي مع عدوهم اللدود و القديم “صالح” بينما ركزت السعوديّة على الحوثيين باعتبارهم المسؤولين الوحيدين عن الفوضى .

منافسون إقليميون

تمثل الحرب الأهلية في اليمن- أفقر دولة في العالم العربي- انعكاساً لصراع عنيف بين الطوائف و القبائل المختلفة، مع كل الولاءات و الأنشطة  المريبة و القديمة ،  و سيكون نفاقاً إلقاء اللوم بشكل كامل ايران وتصوير المملكة العربية السعودية كقوة للخير.

 لقد تمت المبالغة في طبيعة و مدى التورط الإيراني و أحيانا تم ذلك بشلك متعمد  و مشبوه ، فعلى سبيل المثال، و وفقا لوثيقة من ويكيليكس، عندما أطّلع/أُخبر ” صالح ”  بسقوط طائرة استطلاع أمريكيّة على الأراض اليمنيّة ،  أصرّ على ملأ بأن الطائرة بدون طيار كانت إيرانيّة، و أن ذلك كان لجمع المعلومات الاستخبارية. ثم في عام 2009، استولى اليمن على قارب صغير في مياهه الإقليمية، و ادعى أنه يتضمن أسلحة الإيرانية و نقود مرسلة  إلى الحوثيين، و قد نفت ايران هذه الاتهامات.

و في برقية سرية إلى واشنطن، كتب السفير الأمريكي “ستيفن سيش-Stephen Seche” أن ” أنّ  معظم المحللين السياسيين المحليين يقرّون بأن الحوثيين يحصولون على أسلحتهم من السوق السوداء اليمنيّة “  ، و نقل عن مسؤول يمني رفيع المستوى قوله إن الحوثيين ” يمكنهم الحصول على أسلحة بسهولة من داخل اليمن، سواء ما يلتقط من المعارك  أو عن طريق شرائها من القادة العسكريين الفاسدين والجنود …. و يتستر الجيش على غخفاقاته بإدعاء أنّ الأسلحة تأتي من  إيران “

و كذلك ، الإدعاءات  في عام 2015 بأن “هناك 5،000 من الميليشيا الإيرانيّة و حزب الله و شيعة العراق في اليمن” إلا أنّ أحد مسؤولي مجلس التعاون الخليجي – لم  يعرف من هو – علّق أن لا أسس صحيحة لتلك المزاعم .

من جانب الولايات المتحدة، فإنّ “جينيفر ساكي- Jen Psaki” -المتحدثة باسم وزارة الخارجية- صرحت في تقرير شهر إبريل بأن ” الولايات المتحدة قلقة بشأن علاقات إيران مع الحوثيين و أن الولايات المتحدة لديها أدلة على جميع أنواع الدعم للحوثيين، و لكن ليس لدينا أي دليل على أن إيران هي من تضبط / تتحكم تحركات الحوثيين “.

و لنكون متأكدين – مع عدم وجود أدلة قاطعة- إلا  أنه لن يكون إحتمالاً بعيداً إذا ما استنتجنا أن المتشددين في إيران قد وفروا دعماً عسكرياً و ماليّاً مجدوداً للحوثيين ،  ابتداء من عام 2009. و مع ذلك ، لم تغيّر هذه الأسلحة  موازين القوى في الحرب الأهلية بشكل حاسم.

مما لا شك فيه، هناك أوجه تشابه ملحوظ في التوجه السياسي و الأيديولوجي للحوثيين و  الجمهورية الإسلامية. و ليس هناك أي شك في أن إيران تسعى لتوسيع نفوذها في اليمن. و هناك تقارير تفيد بأن الحوزات الشيعية الإيرانية والعراقية تدرب رجال الدين الزيديين ، و في الأشهر القليلة الماضية، سافر عدد من وفود الحوثيين إلى طهران  و  وقعت اتفاقيات اقتصادية مختلفة مع إيران.

و منذ شهر فبراير عام 2015، كانت هناك رحلات يومية مباشرة من طهران إلى صنعاء. و تعهدت إيران أيضا بتوسيع ميناء “الحديدة ” التي هي قريبة  من باب المندب الذي يربط البحر الأحمر و خليج عدن و ذلك لغاية  تصدير النفط إلى اليمن لمدة عام، رغم  أن شروط الصفقة ليست معروفة.أيضاً اتفق على بناء محطة جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية ؛ و إرسال خبراء في الكهرباء و النقل إلى اليمن.

  في يناير كانون الثاني عام 2015،  طلب “هادي” – الذي يدعو الآن الحوثيين  بـ “عملاء إيران”- مزيداً من تعاون إيران لحل  القضايا الإقليمية، و دعى الشركات الإيرانية للاستثمار في اليمن.

صراع مكلّف

بسبب الطبيعة المعقدة للصراع، فإن التدخل العسكري السعودي هو خطأ استراتيجي فادح من شأنه أن يؤدي إلى مفاقمة/استفحال الحرب، و السماح للإرهابيين في المنطقة بتوسيع عملياتهم ، و خلق كارثة إنسانية. و قد اكتسب تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية بالفعل بعض الأراضي في اليمن و أعيد بعثه من جديد ،  و هو ما سيعقد على الولايات المتحدة عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة .

و التواجد العسكري على الأرض ، كما هددت بذلك  المملكة العربية السعودية و بعض الدول العربية، سيخلق مستنقعاً لن تكون  قادرة على الهروب  و  الإفلات منه بسهولة .

و ليس من الواضح تماما لماذا قرر السعوديون للتدخل في اليمن. ربما، بأمل أن تعكس التطورات الإستراتيجيّة الأخيرة في المنطقة و التي تراها تتناقض مع مصالحها . فالمملكة فقدت حليفها السنّي الأقوى و المتمثل في نظام ” صدام حسين” في العراق  عام 2003،  و اليوم، يتم التحكم ببغداد من قبل الشيعة ، و في البحرين، لا تزال الغالبية الشيعية  مضطربة و  هائجة  و  تتحدى الحكومة التي يتحكم بها السنّة  و  المدعومة من السعودية .

 و  برغم رغبة المملكة العربية السعودية لرؤيّة  [حكم] “الأسد”  يزول إلا أنّه باقٍ  في السلطة ، و  في  لبنان، فقد أصبح حزب الله قوة لا يستهان بها. و لا ترى المملكة العربية السعودية إلا  بصمات إيران  وراء  هذه التغيرات  الهائلة  ، و  تشعر بالقلق -المبرر- إزاء  تأثير  ذلك على سكانها من الشيعة بتعدادهم الكبير.

 فهم الذين رجحّوا – مسبقاً- كفّة  ميزان القوى لإيران ، في خضّم الصراع/التنافس الاستراتيجي بين إيران و المملكة السعوديّة العربيّة ، و لذا يبدو أنّ  السعوديين قد قرّروا أن يتصرفوا  بشكل استباقي في اليمن لمنع ايران من تعزيز وجودها في هذا البلد.

و  التفسير الآخر  المعقول؛ هو  أن  السعوديين ذعروا من إمكانية اتفاق نووي  مع  ايران و  التقارب الأمريكي  التالي لذلك  مع  طهران،  و  ربما تأمل المملكة بتحويل التحالف ضد الحوثيين إلى تحالف مناهض لإيران.

 و  لم يفت بعد لتغيير مجرى الأمور ،  فالحرب في اليمن تتطلب وقف إطلاق النار تعقبه مفاوضات بين جميع الأطراف اليمنية الكبرى ، و  أن يندمجو ا  معاً  من خلال انتخابات شعبية ، لتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة ، و التي من الراجح  أن تشمل الحوثيين.  إلا أنّ المشكلة هي أن السعوديين قد يرفضون هذا جزئيا لأنهم لا يرغبون في رؤية حكومة مستقلة نيابيّة  لديها أدنى ميل نحو الشعبوية أو الانتخابات، إنما  الحقائق على الأرض سوف تجبر السعوديين على تعديل سياستهم.

مع  تزايد الخسائر بين المدنيين في اليمن، ستواجه الولايات المتحدة خيارا صعبا، إذ  من ناحية، يبدو أنّ  واشنطن تدرك أن القصف الجوي، أو  إرسال قوات، لن يؤدي إلى نوع  التغييرات التي يسعى لها السعوديون في اليمن ، من ناحية أخرى، انشغال/ انهمام واشنطن الرئيس في اليمن هو عمليات مكافحة الإرهاب ضد تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، التي استفادت بشكل كبير من العمليات العسكرية السعودية.

في الوقت نفسه، أثبت الحوثيون أنهم  العدو الأكثر شراسة و فاعليّة للجماعة الإرهابية و أظهروا استعدادهم للتعاون مع الولايات المتحدة في عمليات مكافحة الإرهاب.

أما بالنسبة لإيران، يجب أن تستمر في الامتناع عن التورط عسكريا في اليمن، حيث لا مصالح وطنية لها هناك ، كما لا يجب أن تقدّم طهران  اسلحة الى الحوثيين ، فقد أفرطت إيران في التوسع  في المنطقة و لقد حان الوقت للبلاد أن تكون أكثر اعتدالاً في سياستها الإقليمية آخذة في حسبانها توقيع اتفاق نووي نهائي مع القوى العالمية الست، و االذي سوف يغير المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط. إنّ  إيران قوة إقليمية كبرى و يجب أن تتصرف الآن بمسؤولية للمساعدة في استقرار المنطقة، و سيكون اليمن مكاناً مناسباً للبدء .

ما رأيك؟