مقدمة :

مكسيم رودنسون – Maxime Rodinson ( يناير 1915, باريس – 23 مايو 2004, مرسيليا) كان مؤرخا ماركسيا و عالم اجتماع و دراسات شرقية ، و يعتبر من أبرز المستشرقين الذين اشتبكوا سياسياَ مع القضايا العربيّة .
و لد ” رودنسون ” لأب روسي و أم بولنديّة اليهوديان -اللذان توفيا في معسكر” أوشفيتز ” – أحد معسكرات التعذيب النازيّة – انضم “رودنسون” إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في عام 1937 تم طرده من الحزب في عام 1958. إثر انتقاده الميول الستالينيّة للحزب .
في هذا النص ؛ يناقش مكسيم رودنسون وجهة نظره الخاصة حول فلسطين و القضية الفلسطينيّة ، موجهاً بعض الإنتقادات الفكرية لحركة/حركات المقاومة الفلسطينيّة ، إلا أنه يبدي تعاطفاً و دعماً عظيمين للمطالب الفلسطينيّة ، و الأهم هو نقده الجذري لشرعيّة الحركة الصهيونية و شرعية تمثيلها لليهود ، بل نراه يتجاوز ذلك إلى تلميحات و تصريحات خطيرة حول مفهوم اليهودية و من هم اليهود ؟  و نقده المباشر للتوظيف الصهيوني للمعاناة الإنسانيّة لليهود إبان حقبة الاضطهاد النازي – خصوصاً أنً والداه كانا أحد الضحايا- في تشريع و تبرير اضطهاد الفلسطينيين و احتلال و طنهم.  يمكن أن يكون هذا النص من أخطر الكتابات الأولى – خصوصاً إذا ما اعتبرنا هويّة كاتبه – في نقد الصهيوينّة و و الكيان الإسرائيلي . قراءة مضيئة و شجاعة.

مكسيم رودنسون : فلسطين و اليهود و الصهيونية

[ نُشرت هذه المادة باللغة الفرنسيّة في مجلة ” دراسات فلسطينيّة ” الصادرة باللغة الفرنسيّة ، و ترجمها ” فاروق مردم ” في مجلة ” الكرمل ” بعنوان ” لماذا فلسطين ؟ ” في العدد 11 لسنة 1984 ]

كثيراً ما يطلب مني أن أعرض أسباب اهتمامي بقضية الفلسطينيين، و أن أبين ما يدفعني إلى الدفاع عنهم، و كثيراً ما تنتهز الفرص لإقناعي بأن مواقفي متناقضة غير متماسكة: ألم أسخر في كتاباتي من الأهواء القومية؟
ألم أظهر ما تنطوي عليه من سخف، وما قد تؤدي إليه من جرائم؟ ألم أعلن في مناسبات كثيرة عن نفوري العميق من الخطاب القومي؟ كيف يمكنني إذاً أن أدعم الفلسطينيين؟
أليس للمطالب الفلسطينية طابع قومي مثلها في ذلك مثل مطالب الحركة الصهيونية؟
و ما حجتي في تفضيل النزعة القومية الفلسطينية على سواها وخاصة على النزعة القومية الإسرائيلية، وعلى الصهيونية التي تمثل شكلاً من أشكال القومية اليهودية؟
لست ممن يدعّون أنهم بمنجاة من العيوب الشائعة في الفكر البشري، و لكنني أسعى إلى الحد من سلطانها.
ثم إنني أعتقد أن مواقفي في جوهرها لا تنافي المنطق السليم. و لما كانت الحجج التي أدليت بها قد انتشرت بين الناس فنفعت بعضاً منهم، وقد تنفع غيرهم في المستقبل، فقد رأيت من المفيد أن أبسطها هنا بشيء من التفصيل.

أودّ، بادئ ذي بدء، أن أؤكد أن النزعة القومية الفلسطينية لا تخلو من عيوب كل المذاهب القوميّة، فهذه العيوب جلية في أقوال القوميين الفلسطينيين و أعمالهم.

إن الفلسطينيين بشر، ولو لم يصبهم ما يصيب غيرهم من البشر عندما تحشد طاقاتهم لنصرة قضية عادلة، أو غير عادلة، لكانوا معجزة خارقة.
و لما كنت لا أؤمن بالمعجزات فإنني أعتقد أن من المستحيل أن ينجو الفلسطينيون من هذه العيوب وهي على وجه التحديد: نسبة الكمال إلى الجماعة الأثنية، أو القومية، والادعاء بأن جوهرها خير مطلق، وإضفاء الصفة الشيطانية على العدو، واعتباره بطبيعته خداعاً ماكراً. إن ربط المأساة القومية بالصراع الكوني بين الخير والشر نزعة لا تقاوم.

إن الأيدلوجية القومية نوع خاص من الأيدولوجيات المناضلة. و لهذه الأيدولوجيات خصائص ثابتة نتلمسها في النزعة القومية الفلسطينية، و في النزعة القومية الصهيونية، أو الإسرائيلية على السواء.
إن جميع الحركات الإيدلوجية القومية تنسب الكمال لقضيتها، وتضفي على عدوها الصفة “الشيطانية” ، كما أنها جميعاً تسودها دائماً المزايدات التي تشكك في كل صاحب رأي، و في كل محاولة لفهم الآخر أو للتخفيف من صفته الشيطانية المطلقة. أما الصراع على السلطة – و هو عامل من عوامل الدينامية السياسية – فتخمد جذوته بعض الشيء، بسبب ما يفرضه النضال من ضرورة الالتزام بالنظام.

و لكن كثيراً من الأفراد والجماعات يعدون له العدة، و يترصدون الفرصة الملائمة لخوضه أو للتمهيد له على الأقل، و تنزع القيادة عادة إلى تعميم صحة هذا التكتيك أو ذاك – حتى لو كان عابراً أو مؤقتاً – وإلى تقديمه إلى الجماهير، و إلى النخب على أنه جوهري أبدي، واجب الوجود في الماضي، ولا غنى عنه في المستقبل. و تنزع القيادة أيضاً إلى إخضاع جميع نشاطاتها، ومجمل تفكيرها للضرورات التكتيكية العابرة.

و في الوقت نفسه يميل المثقفون إلى التفسيرات المفرطة في التبسيط، و ينظرون نظرة تآمرية إلى التاريخ وإلى الحاضر، فقوى الشر الخداعة، لم تكف يوماً عن تدبير المؤامرات في الخفاء ضد الخير! ثم إن الشك، ولو قليلاً، في النتائج المحتملة للانتصار كفر و جريمة، إن الانتصار يهيئ، بالضرورة، مستقبلاً وضاءً، ويضاف إلى ذلك أن بعض المناضلين يستسلمون للأهواء التي تعم الجنس البشري، وتستأثر بهم اللاعقلانية بمختلف أشكالها، ويزيد الجهل من حدتها حتى أنهم لا يتورعون أحياناً عن إشباع غرائزهم السادية.

لا يمكن نكران هذه الانحرافات كلها، ومن الطبيعي أن لا أرضى عنها. ولكنني بالمقابل لا أنسى أن أنبل القضايا في التاريخ وأروعها لوثتها مثل هذه العيوب، وشانتها رذائل وجرائم بعض المؤمنين بها، إن لم يكن أكثرهم. ولو أعدنا النظر اليوم بهذه القضايا لاقتنعنا أن كان لا بد من دعمها، فربط الالتزام بقضية ما بنجاة جميع ممثليها، في كل مكان وزمان، من العيوب و الأخطاء، موقف سلبي يساهم في انتصار القضية المناوئة التي قد تكون فاسدة، لا في سلوك أنصارها فحسب، بل في أهدافها أيضاً. ولا يعني ذلك على أية حال أنه يجب أن نصفح عن أخطاء الذين نناصر أهدافهم العامة وأن نتقبل جميع أعمالهم وأفكارهم.

إن جميع النزعات القومية تنطوي على عيوب كبيرة تصدر عن طابعها القومي نفسه، إضافة إلى الانحرافات المعروفة التي ترافق أي نضال ايديولوجي.
و لكن لا بد هنا من التمييز بين هذه النزعات: فالنزعة التي تهدف إلى إخضاع أمم أخرى ممقوتة في ذاتها، ويجب مقاومتها، والنزعة القومية الساكنة مقبولة نسبياً، ولكن يجب مقاومة مظاهرها المتطرفة. أما النزعة القومية عن أمة مقهورة تسعى إلى انتزاع حقوقها الجماعية كأمة، فيجب دعمها لتحقيق هدفها الرئيسي، وإن كان لا بد من انتقاد بعض مظاهرها.

قد يقال – و هناك من قال ذلك فعلاً كـ” ألبير ميمي – Albert Memmi” – أن القومية الصهيونية إنما هي قومية الشعب اليهودي المقهور.
و الواقع أن الصهيونية في مراحلها الأولى استمدت فعلاً قوتها من أمانيّ يهود أوروبا الشرقية المضطهدين المقهورين. و لكن الحل الذي اقترحته الصهيونية لمعالجة المسألة – أعني الدولة اليهودية – لم يكن الحل الوحيد المطروح، و لم تؤمن به آنذاك إلا فئة قليلة من اليهود، في حين كانت المنظمات اليهودية الكبرى، و السلطات الدينية اليهودية، و الجماهير الغفيرة من اليهود تؤمن بحلول أخرى.
بل إن القومية اليهودية نفسها، كنزعة تؤمن بوجود أمة يهودية واحدة، موزعة بين دول العالم، لم تكن أيديولوجية نضالية مفروغاً منها. فمن المعروف أن هذا المجموع – اليهود – حصيلة تاريخ طويل تخللته الإبادات و الاندماجات، و لذلك يصعب تحديده بدقة: فهو في وقت واحد جماعة دينية مجزأة (و لكن قسماً كبيراً من اليهود يرفضون دين أسلافهم، و لكنهم مع ذلك يعتبرون – يهوداً)، و مجموعة تكوينات اجتماعية تقترب من الأنموذج الاثني – القومي، ويمكن اعتبارها “أمما” يهودية مختلفة (كالمجموعة الثقافية اللغوية اليدية في أوروبا الشرقية – و إن كانت قد انصهرت في القرن التاسع عشر في الثقافات القومية المحيطة – و الجماعات الثقافية التي تتكلم لغة اللادينو في بعض أجزاء الإمبراطورية العثمانية … الخ)
و لم يكن هناك ما يربط فعلاً بين هذه المجموعات و لا بين هؤلاء الرجال والنساء الذين يستعصي أكثرهم على أي تعريف قومي، بسبب قوة الحركة النافذة التي كانت تتحكم بهم، وتبدو وكأنها لا راد لها.

إن الايدلوجية القائلة بوجود شعب يهودي واحد، و بأنه أمة و بأن عليه أن يؤسس دولة (والدولة ليست نتيجة حتمية لوجود الأمة) لم تكن الخيار الوحيد المطروح، آنذاك على اليهود.
أضف أنه كان لا بد من إيجاد أرض تقوم عليها الدولة اليهودية. وما أن أدت الظروف العامة وثقالة الماضي الأيديولوجية، وجهل غالبية اليهود بواقع الحال، والمصالح الامبريالية التي ارتبطت بها الصهيونية لتحقيق أهدافها، ما أن أدت جميع هذه العوامل إلى اختيار فلسطين العربية حتى صارت هذه النزعة القومية بطبيعة الحال قومية مضطهدة. إن تحويل أرض عربية السكان إلى أرض يهودية يستدعي إحدى طريقتين: الإلحاق أو اطرد.
و لذلك فليس من المستغرب أن تكون الصهيونية – عبر مسار طويل ربما اشترك الطرفان في مسؤولية أحداثه التفصيلية – قد انتهت إلى ممارسة الطريقتين معاً.
من الواضح إذاً – و أعتقد أن أي ذهن متحرر من التعميمات الايدلوجية لا يستطيع أن ينكر ذلك – أن النزعة القومية الصهيونية، مهما كان رأي المرء في شرعية فكرة الدولة اليهودية، قد تجسمت في خيارات عملية تؤدي بالضرورة إلى اضطهاد شعب آخر.
و لذلك يجب الاعتراف بأن مقاومة الفلسطينيين لهذا المسار التاريخي تندرج في عداد الحركات القومية للشعوب المقهورة، و يجب أن يؤيدها جميع الذين آلوا على أنفسهم أن يجابهم الاضطهاد القومي، و إلا لكان موقفهم متهافتاً على المستوى الفكري، و منحرفاً على المستوى الأخلاقي.
هذه هي في نظري الأسباب التي تدعوا جميع الرجال والنساء الذين يدعون التزاماً أخلاقياً إلى دعم الأيديولوجية القومية الفلسطينية في سعيها إلى تحقيق هدفها الأساسي.
و أود هنا، مرة ثانية، أن أؤكد أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة الموافقة على البرامج، و الاستراتيجيات، و التكتيكات، والنشاطات، و الأفكار التي تطرحها أو تتبناها التنظيمات الممثلة للتطلعات الفلسطينية.
إن هذه التنظيمات (كغيرها من الحركات السياسية) تحاول دائماً أن تدفع المتعاطفين معها إلى مرحلة المشاركة المباشرة، وقد يتخذ ذلك شكلاً ابتزازياً. إن لكل امرىءٍ أن يقرر ما إذ كانت التزاماته الأخلاقية تفرض عليه السير في هذا الاتجاه.
أما أنا فقد علمتني تجربتي القاسية الطويلة في الحركة الشيوعية (التي عبرت بمشاركتي فيها وانخراطي في صفوفها كملايين الناس عن اقتناعي بشرعية الاحتجاج على الظلم الرأسمالي) أن أكون حذراً في هذا المجال. قد يكون من واجب كل الفلسطينيين أن يلتزموا ألتزاماً مطلقاً بقضيتهم، فذلك هو السبيل الوحيد للنضال ضد الاضطهاد الذي يعاني منه شعبهم. و لكن الأمر مختلف جداً عند غير الفلسطينيين (و غير العرب).

أما بالنسبة إلي ” كيهودي” ، فثمة أسباب أكثر دقة وقسراً على المستوى الأخلاقي تنضاف إلى الأسباب التي ينبغي أن تدفع أياً كان إلى أن يتفهم، على الأقل، الاحتجاج الذي تعبر عنه الحركة الفلسطينية – بأشكال مقبولة أو غير مقبولة – وإلى التعاطف معها. إن جميع الذين يعتبرهم الآخرون يهوداً متورطون في هذا الصراع، شاءوا أم أبوا.

فالحركة الصهيونية تزعم، منذ انطلاقها، أنها تتكلم باسم جميع اليهود. وقد أدت التطورات التي ذكرتها آنفاً إلى إقناع الرأي العام العالمي بصدق هذه المزاعم. ولكن الواقع – على الرغم من محاباة الجماهير اليهودية للصهيونية لأسباب نفسية واجتماعية، يمكن فهمها دون تقبل نتائجها – أن اليهود، بالمعنى الذي ذكرت، لم يؤيدوا جميعاً ولا يؤيدون تصرفات دولة إسرائيل التي انبثقت عن الحركة الصهيونية. وتشهد الأدبيات الصهيونية نفسها على العداء – أو على الأقل، على الفتور الذي ووجهت به الصهيونية في الماضي من قبل الجماهير اليهودية. لقد انضوت هذه الجماهير شيئا فشيئا تحت علم الصهيونية، ولكن أشد الناس عداوة للصهيونية بنظر دعاتها كانوا من اليهود. لا ريب في أن قطاعاً كبيراً من اليهود في العالم لم ينبسوا حتى الآن ببنت شفة بسبب جبنهم، أو جهلهم، أو ترددهم. و تتذبذب مواقف بعضهم بسبب هشاشة قناعاتهم (وتأتي هذه القناعات على الأغلب من التأثير للدعاية الغربية).
و لكن الكثير منهم يشجبون، بحزم، بعض أو أغلب تصرفات إسرائيل و اتجاهاتها العامة، و إن كانوا لا ينبذون كلهم الدولة نفسها، لاعتقادهم أنها ضرورية لحمايتهم، ولأنهم يخشون أن يؤدي تدميرها إلى نتائج وخيمة.

على الرغم من ذلك، لا تعير السلطات الإسرائيلية أي اهتمام لهؤلاء، و تدعي أنها تتكلم و تتصرف باسم كل اليهود في كل المناسبات (إلا حين تسعى إلى ابتزاز المال والعطف من الجماهير اليهودية، فهي عندئذ تتراجع عن دعواها القديمة، وتشتكي من أن اليهود لا يدعمونها كما ينبغي!) و أود هنا، على سبيل المثال، أن أذكر بموضوع يزعجني جداً هو المبالغ الطائلة التي دفعتها ألمانيا لإسرائيل تعويضا عن إبادة ملايين اليهود خلال الحرب العالمية الأخيرة.

لقد كان بين هؤلاء اليهود عدد غفير من المعادين للصهيونية، أو على الأقل من غير الصهيونيين. و لكن إسرائيل قبضت ثمن دمهم، و وظفته في خدمة مشاريعها و سياساتها. إن جميع يهود العالم معنيون بنتائج السياسة التي تحددها بعيداً عنهم، في مدينة القدس، فئة قليلة من الناس لم تسألهم يوماً عن رأيهم، ولم تنبثق عنهم، و لا تمثلهم بأية حال.
سأضرب لبيان ما يصدمني و يخيفني في هذا الصدد مثلاً و همياً لا أشك في مطابقته لواقع الأحوال، و إن كانت خاتمته، لحسن الحظ، أكثر خطورة مما يقع عادةً.
يعرف القارئ أن الثأر عادة منتشرة في العالم العربي بقدر انتشارها في كورسيكا، و في غيرها من المجتمعات التي احتفظت ببناها التقليدية. لنتخيل في البداية يهودياً يقيم في إحدى المدن النرويجية، أو الفنزويلية الصغيرة، و لنتخيل أنه لا علاقة له من قريب أو من بعيد بدولة إسرائيل أو بالحركة الصهيونية، مثله في ذلك مثل الملايين من اليهود في العالم. لنتخيل بعد ذلك فلسطينياً أو عربياً قُتل بعض أقاربه في الخليل، أو في صيدا، أو في سواهما بقنابل إسرائيلية، أو بأي سلاح إسرائيلي آخر. ثم لنتخيل أن هذا العربي كان مقتنعاً بما تردده الدعاية الإسرائيلية عن تضامن جميع يهود العالم مع إسرائيل في كل الأمور، وأنه انتقم بقتل ذلك اليهود النرويجي أو الفنزويلي. إن هذا المثل على سذاجته المقصودة يكشف في نظري عن جانب أساسي من المشكلة المطروحة على اليهود، وعلى جانب لا ينكره إلا سيئو النية.
يثبت هذا التحليل باعتقادي أنه إذا كان لا بد لكل إنسان شريف، على المستويين الفكري والأخلاقي، من أن يؤمن بشرعية الاحتجاج الفلسطيني، فإنه من واجب اليهود، بل من مصلحتهم، أن يناضلوا قبل غيرهم ضد العسف الذي يرتكب باسمهم.

و تشبه اليهود في هذا جماعات أثنية – قومية أخرى، يتزايد عددها يوماً بعد يوم، وتطالب أكثر فأكثر بحقوقها اليومية في حين تخسر – على المستوى الأيديولوجي الصريح على الأقل – النزعة الاندماجي التي كانت سائدة في السابق. و تتشكل في جميع هذه الجماعات تنظيمات نضالية تروج برامجها واستراتيجياتها وتكتيكاتها، وتنزع أكثر فأكثر إلى العمل العسكري. وتدعي هذه التنظيمات أنها تعبر عن إرادة جميع أبناء الجماعة الأثنية، وكثيراً ما يعتبر هؤلاء مسؤولين عن أعمالها حتى لو لم تكن تمثل أقلية ضئيلة منهم، خاصة أنهم – كاليهود – يترددون في أغلب الأحيان في نبذ “إخوانهم” علناً، وإن كانوا لا يرضون عن أعمالهم. إلا أن هناك في أغلب الأحيان (عند الأرمن مثلاً) هيئات تمثيلية قد تتبنى مواقف أخرى، و تشجب تصرفات التنظيمات المذكورة. أما الهيئات اليهودية الكبيرة فإنها لا تجرؤ على ذلك لأسباب اجتماعية عديدة ، وما زالت حتى الآن تتصرف بصورة انتحارية، مذعنة لكل ما يتقرر في إسرائيل. أما بصدد الوضع الفلسطيني، فلا بد لي هنا من أن أؤكد ما تقوله منظمة التحرير عن تمثيلها لجميع الفلسطينيين أمر أثبتته الوقائع إلى حد كبير.
هذا هو الموقف الذي أتمنى أن يتبناه جميع اليهود. أما وقد طُلبت مني شهادة شخصية، فلا بد لي من أن أضيف إلى جميع الأسباب العامة حوافزي الخاصة التي تسم موقفي بطابع متميز، إلا أنني لن أستفيض في هذا المجال فقد تطرقت إليه في كتاباتي السابقة، ثم إني لا أريد أن أتهم بالغرور.

لقد اكتسبت من الوسط الذي نشأت فيه وعياً حاداً بأن الخيار الصهيوني لا يلزم اليهود، وبأن النتائج التي ترتب عليه خطيرة، بل بأن أي اتجاه قومي يهودي خطير في حد ذاته. وُ لدت و ترعرعت بين يهود تحرروا من دين الأسلاف، و كنوا له العداء في أغلب الأحيان، على نمط بعض الأوساط المسيحية الأوروبية المعادية للإكليروس.
و كان هؤلاء اليهود في الوقت نفسه أمميين، يؤمنون من الناحية الأيديولوجية بشكل عام (و غير حصري) بالمثل الأعلى الاشتراكي، ومن الناحية العملية بضرورة الانصهار ضمن الشعب الذي يعايشونه. إن هذه النظرة كانت منتشرة جداً قبل 1939 في الوسط اليهودي الأشكنازي، أي يهود أوروبا الشرقية والوسطى، و مفادها أن الهوية اليهودية في القرن العشرين إنما هي ظاهرة من رواسب الماضي، أي أن اليهود ذرية شعب قديم أو/و جماعة دينية قديمة، وأنهم ينصهرون تدريجياً في مجتمعاتهم المختلفة؛ ولكن لما كان اندماجهم لم يكتمل بعد في وعي الجميع ، فإن أغلب الرأي العام يصنفهم على أنهم ينتمون إلى هوية خصوصية ألا وهي ” اليهود “.

لا أدعي أن جميع الذين ينتسبون إلى أصل يهودي، (أي إلى أسلاف كانوا ينتمون إلى الجماعة الدينية اليهودية التي يشعر بها طابع إثني) وجميع الذين اشتهروا بنسبهم اليهودي، كانوا من أنصار هذه الفكرة. و لكنها كانت أكثر انتشاراً بكثير مما يعتقد الناس اليوم. وكانت ثمة اتجاهات أخرى تدعو إلى أفكار سبق أن ذكرتها باقتضاب. ومن الحري بالذكر أن المؤمنين بالدين اليهودي لم تكن تستهويهم غالباً الأفكار القومية.
بعد عام 1920، وخلال نصف قرن، تبنت الأحزاب الشيوعية و اليهود الذين انضموا إليها هذا الموقف، كما تبناه كثيرون غيرهم. إلا أن الأممية الشيوعية هي التي عرضته على شكل نصوص نظرية متخلفة تتمتع كغيرها من النصوص التي تبسط العقيدة الشيوعية بهيبة العلم، ذلك “العلم” العجيب الذي يسمى الماركسية، والذي لا يتصف بأية صفة من صفات العلوم المعروفة!

لقد دعم ذلك موقف أنصار هذا الاتجاه على الرغم من أنه لم يضف شيئاً يذكر إلى حججهم السابقة القائمة على الحس السليم وعلى الوقائع.
هكذا كانت خلال المرحلة الطويلة التي آمنت فيها بهذا الين الدنيوي. غير أن الحزب الشيوعي الذي كنت أنتمي إليه كان جهازاً سياسياً كغيره من الأجهزة، و كان يتبع تكتيكاً يكسبه أعضاءً وأنصاراً جدداً في فرنسا، أعني أصواتاً في الانتخابات.

و لذلك فقد كان غالباً لا يصرح بأفكاره النظرية في هذا المجال؛ فبعد ظهور دولة إسرائيل، و بسبب مظاهر العطف التي قوبلت بها في الغرب، و في فرنسا بشكل خاص – و في أوساط اليهود اليساريين – لم يكن من المناسب من الناحية السياسية أن تطرح على بساط البحث مسألة يمكن أن تثير الناس ضد الحزب، بما في ذلك بعد أعضائه. ولذلك كان الحزب يتلافى طرحها إلا حين كان الاتحاد السوفياتي نفسه يُجرح بسببها. إن حزباً حُظر نشاطه وجوبه بعداء شعبي واسع بسبب دفاعه عن الاتحاد السوفيتي، “قلعة الاشتراكية” بعد المعاهدة الألمانية – السوفياتية (بين 1939، 1941) لا يتلكأ عن مجابهة إسرائيل دفاعاً عن الاتحاد السوفيتي.

إن ما ميزني عن غير آنذاك هو أنني كنت مطلعاً على المسألة الفلسطينية، وأنني أمضيت سبع سنوات من عمري في لبنان حيت تابعت تطوراتها. وقد ساعدني اختصاصي بالدراسات العربية والإسلامية على فهم أسباب الموقف العربي تجاه إسرائيل. كنت ظاهرة فريدة من نوتها. أما الآن فقد تغير الأمر بعض الشيء.

إنني بطبيعتي لا أحتمل الأخطاء الفاحشة المنشرة بين الناس، وتأخذني دائما رغبة عارمة في مجابهتها ومجادلة أصحابها. ولذلك لم أستطع يوماً أن أكبت غيظي أمام الأخطاء التي ترتكبها الصحافة ووسائل الإعلام وأمام أكاذيبها وجهلها. وكان الجهل المنتشر في صفوف الحزب، على الرغم من عقيدته الرسمية، يزيدني غيظاً.

و هذا ما دفعني إلى كتابة المقالات، و إلى إلقاء المحاضرات التي ساهمت في تصحيح الأفكار الخاطئة عن دوافع الحركة الفلسطينية. لقد حاولت بالدرجة الأولى أن أقنع القرّاء بأن هذه الحركة لا علاقة لها بالعداء الهتلري لليهود. و كانت حجة الخصوم تستند إلى وقائع تفصيلية لا شك في صحتها يجعلونها بمثابة أعراض مرضية تفسر كل شيء: من ذلك مثلاً تعاون الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس، مع هتلر، و انتشار الحجج والأفكار المعادية لليهود- بالمعنى المعروف في الغرب، أي معاداة ما يُفرض أن الذات اليهودية الثابتة عبر التاريخ، و اعتبارها شريرة وفاسدة بطبعتها- و كنت أحاول أن أشرح أن حركة الاحتجاج الفلسطينية، مهما كانت أشكالها و تعبيرتها الدعاوية، لا تنبع من هلوسات كهذه، و لكن من واقعة عينية تكفي بحد ذاتها لإدانة الصهيونية، ألا وهي احتلال فلسطين العربية من قبل مهاجرين يهود.

لا ريب في أن جهودي وجهود المجموعات والشخصيات التي اتخذت موقفي نفسه لم تحقق بعد النجاح المنشود، فما زالت أغلبية الرأي العام الغربي تربط الثورة الفلسطينية – و الاحتجاج العربي بشكل عام – بالعداء الهتلري لليهود.
و لا بد لي هنا من التنديد بالخطابات والمنشورات العربية التي تسهم في هذا الالتباس، كترويج كتابات ” فوريسون” القائل بإعادة النظر في الجرائم الهتلرية، و ذلك على الرغم من أنه بُرهن على بطلانها. كيف لا يرى العرب أنهم بذلك يدعمون الحجج الصهيونية على المستويين الدعاوي والمنطقي؟ وهل يعنون أن عدد ضحايا الهتلرية هو الذي يبرر المشروع الصهيوني أو يدحضه؟
و إلا ما الفائدة التي يجنونها من دعمهم لأفكار تزعم أن عدد اليهود الذين قُتلوا أقل من العد المتعارف عليه؟
على الرغم من ذلك كله، أعتقد أن الرأي العام الغربي قد خطا خطوات كبيرة إلى الأمام، فحين بدأت بنشر مقالاتي كان صوتي وحده يصرخ في البرية، و كانت المقولات الإسرائيلية تعتبر معبرة عن الحقيقة، عن الواقع الموضوعي. لم يكن هناك ناشر واحد يجرؤ على نشر كتاب ينقضها. لم تكن هناك صحيفة واحدة تقبل أن تنشر مقالاً مخالفاً لها (ما عدا الصحافة الشيوعية عندما كانت الدعاية المعادية للسوفيات تضطرها إلى ذلك).

لم يكن هناك فيلم واحد يعرض وجهة النظر العربية. لقد زعزعت الأحداث التي تبعت 1967 هذه المحاباة العامة لإسرائيل، و شاعت الأفكار المعادية للصهيونية وللدعاية الإسرائيلية. لا شك في أن الثغرة ما زالت صغيرة، و أن الاختراقات تنحرف عن مجراها. إلا أنها حقيقة، و إنه ليشرفني أن أكون قد ساهمت في تحقيقها.

مكسيم رودنسون : فلسطين و اليهود و الصهيونية ...

ما رأيك؟