ترجمة نواقيس

   في الأشهر الأولى من عام 2015، شهدت فرنسا جريمتي قتل جماعيتين احتلتا – بحوشيتهما و استخفافهما بالحياة الإنسانيّة – العناوين الرئيسة في جميع أنحاء العالم .

ففي مطلع كانون الثاني، دخل الأخوين “شريف وسعيد الكوشي” مكاتب الصحيفة الساخرة “شارلي ابدو” في باريس حيث قتلوا رميا بالرصاص 11 موظفا، بالإضافة إلى ضابط شرطة أثناء خروجهما من المبنى . أما الأسبوع الماضي، و في فعل من أفعال القتل الجماعي و مع أكثر من 12 ضعفاً لعدد الضحايا ( الناتج عن الهجوم على صحيفة شارلي ابدو)، فاد الطيار ” أندرياس لوبيتز/Andreas Lubitz” – البالغ من العمر 27 عاما- طائرته متعمداً ليصطدم بجبال الألب الفرنسيّة قاتلاً الركاب الـ150 جميعهم.

إلا أنّ الجريمة الأولى فقط من تم وصفها من قبل السياسيين و تصويرها من قبل الإعلام بأنّها “تهديد وجودي” و “نموذج للإرهاب” .

فتغطيّة الإعلام لهجوم الاخوين “الكوشي” قللت من إنسانيتهما، بوصفهما آلتي قتل واعيتين و منضبطتين ولا تلقيا بالاً لشيء . وتصف مقالة “نيويورك تايمز” – بعنوان : من هاوي إلى جهادي بلا رحمة، في فرنسا ؛ “اثنين من الجهاديين متشحين بالسواد، معتمرين للدروع الواقيّة ” اللذان ” قدما للجمهور حول العالم عرضّاً قاسياً من عروض الإرهاب ” (…)

كما توضح هذه المقالة كيف لم تتمكن الأجهزة الأمنيّة الفرنسية من منع الهجمات ؛ إذ مع كون الأخوين لديهما تاريخ من رقابة السلطات الفرنسيّة لهما لكن “يبدو أن الأخوين لم يعودا يشكلان تهديداً، بحيث رفعت المراقبة عنهما في منتصف العام الماضي” و “استناداً لآلاف الوثائق القانونيّة، التي حصلت عليها النيويورك تايمز، بما في ذلك محاضر الاستجوابات و ملخصات التسجيلات لبعض المكالمات الهاتفيّة و الرسائل التي تم اعتراضها “

فالمسألة لا يُنظر لها إلا بوصفها فشلاً للأجهزة الأمنيّة، إذ لا يفترض أن لاتدع الأخوين خارج مصيدة مراقبتهما. فقد تم “ترسيخ التطرّف … تحت أنوف السلطات الفرنسية، التي كان “شريف” في متناول أيديهم مرتين من قبل”

فلا لوم ينسب إلى النظام الاجتماعي الاقتصادي الفرنسي الذي يقصي معظم السكان العرب في فرنسا في طبقة دنيا تعاني البطالة والفقر.(…) فقد عمل الاخوين في وظائف بلا مستقبل مثل تسليم طلبات البيتزا والمتاجرة بالأسماك (…)

و لا جدال حول مساهمة العوز والتهميش في قرار الأخوين “الكوشي” على استخدام العنف ضد الناس الذين يبدو أنهم يمثلون مصدراً لإذلالهم.

في تحليلات الإعلام ، لا لوم يلقى على السياسة الخارجية الفرنسية، و التي تواطأت في تسليح وتمويل تنظيم القاعدة لسنوات عديدة في ليبيا وسوريا وغيرها من البلدان. كذلك التجاهل التام لدعم فرنسا للتطرف في الخارج، وقدرته على خلق رد فعل سلبي في الداخل الفرنسي أيضا.

أما صورة طيار خطوط “Germanwings” السفاح فقد رُسمت بشكل مختلف في النيويورك تايمز إذ كان عنوان النبذة التي كتبت عن الطيار موحيّة بمديح ما ” أندرياس لوبيتز ، الذي عشق الطيران و انتهى به المطاف إلى وجهةٍ غامضة و قاتلة ” أي أنه يملك اسماً و عاطفةَ بخلاف لـ ” الجهاديين الوحشيين” اللذين اختارا طريقهما كمجرمين فإن ” لوبيتز، أنتهى به المطاف إلى وجهة غامضة” كما لو كان أحد الركاب و حسب ، لا بوصفه الفاعل في توجيه 149 شخصاً إلى موتهم، عامداً.

أما التايمز/Times فقد قالت في وصف “الغموض” حول “لوبيتز” : ” إن التركيز الآن قد تحوّل إلى الدوافع التي قادته لمثل هذا التصرف ، و إذا ما كانت صناعة الطيران و منظميها يبذلون ما هو كافٍ في مراقبة و تحليل المشاكل النفسيّة للطيارين ” ، و كما كانت الحالة بخصوص ” آدم لانزا ” الذي ارتكب جرائم القتل في مدرسة ” نيوتن /Newton الابتدائية ” فإن القضيّة فُهمت باعتبارها نموذجاً لـ”الفرص التي أضيعت” في بيئة العمل أو من كتقصير قبل الشؤون الاجتماعية، لا بوصفها مسؤوليّة جهاز الشرطة و الأمن .

أما الـ “CNN” فقد كتبت أن “لانزا ” : “كان شابا منعزلاً ، متدهور الحالة النفسيّة و منجذباً للعنف و أن مشاكله لم تُتجاهل، إنما أسيء فهمها و أسيء التعامل معها “(…)

فبالنسبة للشُّبان البيض أمثال “لوبيتز/Lubitz” و “لانزاِ/Lanza” فإن المشاكل تتمحور حول فشل المجتمع أو الآباء و الأمهات أو المعلمين و أرباب العمل أو المشرعين الحكوميين أو الفشل في تشخيص و علاج المشكلات النفسيّة، فيفهم ضمناً أنهم أناس يستحقون المساعدة، و ليسوا بتهديدات أمنية تستحق المراقبة و الرصد، فالصحة النفسية للقتلة تفهم بوصفها سبباً – إن لم تن السبب الرئيس – وراء أفعالهم، فهم كانوا ضحايا حالتهم و مشكلاتهم النفسيّة، في حين كان الأخوين” الكوشي ” فاعلين عاقلين مسؤولين عن أفعالهما .

(…)

لقد وصفت هجمات باريس من قبل الـ CNN و BBC و New York Times و NBC و كوسيلة إعلاميّة غربيّة كبرى بـ “الإرهاب” و لكن تحطم طائرة Germanwings لم يوصف بالإرهاب مطلقاً . و ذكرت صحيفة “USA Today” أن مكتب التحقيقات الفيدرالي “لم يجد أي صلة بين أحد ممن كانوا على متن الرحلة و الإرهاب ” وذكرت CNN بشأن “لوبيتز” ” لا يعرف إذا ما كان اسمه مدرجاً على أيٍ من قوائم الإرهاب ، كما لم يعرف دينه حينئذٍ”. و بعبارة أخرى، لم يعرف مباشرةً ما إذا كان ” لوبيتز” مسلماً و بالتالي إرهابياً . فالصلة بين الدين و الإرهاب استخدمت في الجملة ذاتها في مقالة الـ CNN، التي تؤكد كيف أن الاستعمال الشائع لصفة الإرهاب تتعلق بهويّة الشخص لا بما قام بفعله . فأخوين مسلمين يحملان كل إرث شمال أفريقيا هما إرهابيان إذا ما قتلا 12 شخصا، في حين أن الألماني الأبيض ليس إرهابياً و إن قتل 149 إنساناً .

إن أي وصف/تسميّة بالإرهاب ، هو إجراء تعسفي ، إذ لا وجود لتعريف مجمع عليه للإرهاب ، إلا أنه يُنظر إلى الإرهاب بوصفه أفظع الجرائم ، و يُعتقد أنه لا سبيل لإصلاح الإرهابيين بل هم مخلوقات غير آدميّة و ليسوا أهلاً ليكونوا أعضاءً – يتمتعون بحقوق – في المجتمع . و ليس من المفاجيء القول بإن هناك تحيز عنصري و ثقافي في توظيف/إطلاق تلك التسميّة.

إن الطرق التي تصوّر بها وسائل الإعلام مرتكبي جرائم القتل الجماعي تمثل مواقف المجتمع تجاه الموضوعات التي يتم تغطيتها ، كما أنّ استدعاء الخوف اللامبرر و اللامنطقي من المسلمين و العرب ليس بشيء جديد ، كما يوضح ” إدوارد سعيد ” في ” الاستشراق” ،

فقد كتب “سعيد” : “بالنسبة لأوروبا، كان الإسلام صدمة مأساويّة دائمة، فحتى نهاية القرن السابع عشر و “الخطر العثماني” مترصد بأوروبا ممثلاً تهديداً للحضارة المسيحيّة كلها، و مع مرور الزمن ، أدرجت الحضارة الأوربيّة ذلك الخطر المهدد – بأحداثه الجسام و تقاليده و فضائله و رذائله – كجزء  محبوك في نسيج الحياة “

إن الإحساس بهذا الخطر لا يزال يظهر نفسه في رد الفعل غير المتناسب من الدول الغربية وشعبها على الجرائم التي قد أن تعزى إلى الإسلام و العرب. فحتى لو كان الحل كما في حالة الأخوين “الكوشي” اللذين ولدا و نشأا في فرنسا، و لم تطأ قدميهما الجزائر بلد آبائهم الأصلي. و لكن ” الفرنّسة Frenchness” ( النزوع نحو تأكيد أصالة الهويّة الفرنسيّة) لا تزال تفهم – على نطاق واسع – على أنها حكرٌ على السكان الكاثوليك للدولة .

إن صياغة القصة حول “شارلي ابدو” على أنها اعتداء من قبل الإسلام ضد الحضارة الغربية تعبر عن تمثيل مشوّه ؛ بوصف العنف و على نحو فريد إسلامي محض و شر محض . و عقد أية مقارنة لتغطية وسائل الإعلام للسفاحين و مرتكبي جرائم القتل الجماعي توجب الاعتراف بأن العرق و الإثنية هي من تقود طريقة فهم و تصوير تلك الجرائم. فبالنسبة للأمريكيين و الأوربيين البيض لطالما فهم الإسلام كقوة لا بد من كبحها و السيطرة عليها وعادة ما يتم ذلك من خلال العنف. وليس من المستغرب أن تصوّر الجرائم التي يرتكبها ” الإسلاميون” في الإعلام الغربي بتلك العدسة ، بينما لا يُنظر للجرائم المماثلة أو الأعظم خطراً ، التي يرتكبها البيض النظرة ذاتها .

ما رأيك؟