ترجمة نواقيس

       منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بحثت روسيا – عبثاً- عن استراتيجيّة كبرى جديدة، شيءٌ لتعريف و تحديد من هم الروس؟ و إلى أين هم ماضون ؟
“كانت هناك حقب متباينة في التاريخ الروسي ابان القرن الـ20 : الملكيّة ثم الشموليّة ثم إعادة البناء و أخيراً مسلك ديمقراطي للتنميّة ” كما قال الرئيس الروسي ” بوريس يلتسن ” قبل بضع سنوات و بعد انهيار الاتحاد السوفيتي [و] ” كانت لكل مرحلة عقيدتها/ايديولوجيتها الخاصة ” و تابع: الآن ” لا نملك أية عقيدة/أيديولوجيا”
و لمليء تلك الفجوة ، عمل يلتسن عام 1996 على اختيار فريق من المثقفين ليعملوا مع بعضهم البعض و ليجدوا ما أسماه الروس ” الفكرة الروسيّة ” إلا أنهم خرجوا أصفار اليدين .
في تلك الأثناء تولت تلك المهمة مجموعات أخرى متنوعة ، و من ضمنها جماعة من السياسيين و المفكرين الروس المحافظين و دعوا أنفسهم ” ائتلاف باسم روسيا” و بالتزامن مع عديد من المثقفين الروس في ذلك الحين ، كانوا جميعاً منزعجين بشدة من ضعف الدولة الروسية ، معتقدين أن ذلك الأمر يجب أن تتم معالجته لتعود روسيا إلى مجدها الحقيق بها .
و بالنسبة لهم فإن ذلك يستتبع العودة إلى التقاليد الروسيّة في حكومة مركزيّة قويّة ، أمّ كيف كان لذلك أن يتحقق ، فهو سؤال تأجل ليوم قادم .
و الرئيس الروسي ” فلاديمير بوتين”- لعديد من الذين كانوا في ” الائتلاف” – ما يزال يرتبط مع أفكارهم و أهدافهم العامة التي حدث و أن اتفق معهم فيها.  إذ جاء للسلطة عام 1999 بتفويض وطني ليوطد و يعزز استقرار النظامين الاقتصادي و السياسي الروسيين . و بفضل من ارتفاع أسعار الطاقة في العالم ، تمكن و بسرعة من تحقيق ذلك الهدف .
و بنهاية عقد الألفية الثانيّة الأول كانت لديه المساحة للعودة إلى سؤال ” الفكرة الروسية” و بدأ يجادل بأنها حضارة لها خصوصيتها ، إذ لا تقبل أن يتم استيعابها بأريحيّة داخل مستوعبات/صناديق أوربيّة أو آسيويّة و يجب أن تعيش و تستمر وفقاً لقوانينها و أخلاقياتها الروسيّة المتفردة .
و من ثمّ ، و بمساعدة من الكنيسة الروسيّة الأرثوذكسيّة ، شرع ” بوتين” بالمعركة ضد الليبراليين ” الغربيين” و هي سمات بدأت شريحة من المجتمع الروسي بتبنيها . و خلال تحركاته [ في معركته ضد الليبراليّة] اكتسب إدانة الغرب ، كما في حالة تجريم ” بروباغندا المثليّة الجنسيّة” و كذلك في الأحكام الصادرة- عامين في السجن بتهمة الشغب- ضد أعضاء فرقة موسيقى الـ الجماعيpunk Rock النسوية المعروفة باسم ” Pussy Riot” و المشهورة في روسيا . و بالعودة إلى إصرار “بوتين ” حول أنّ روسيا لا يمكن أن تحاكم/ينظر إليها من خلال المفردات أو المفاهيم الغربيّة ، و هذا التوجه الجديد المحافظ لبوتين لم يلائم تعريف/ مفهوم الولايات المتحدة أو الأوربيين لليبراليّة .
ففي حين أنّ المحافظين [ كتوجه سياسي ] في تلك الاصقاع من العالم يخشون من الحكومات الكبيرة المهيمنة و يضعون الفرد على رأس الأولويات ، إلا أنّ المحافظين الروس يدافعون عن قوة الدولة و ينظرون إليهم على أنهم في خدمة الدولة .كما يعمدون استحضار التقاليد القديمة و المحافِظة لروسيا الإمبراطورية و على التحديد النزعة ” الآورآسيويّة” * و هو تأصيل سلطوي في جوهره ، و تقليدي و معادي لأمريكا و الاوربيين و هو كذلك يثمّن و يرفع من شان الديني و الدين و انقياد و خضوع الجماهير ، و الأكثر أهميّة لعناوين هذه الأيام ، أنّه توسعي .

الجذور الروسيّة :

تقبع جذور النزعة ” الآورآسيويّة” الروسيّة داخل الثورة ” البلشفيّة ” رغم أن عديداً من أفكارها لها تواريخ أكثر قدماً في روسيا .فبعد ثورة أكتوبر -1917 و الحرب الأهليّة التالية ، فر 2 مليون من الروس المعادين للبلشفيّة ، و من “صوفيّا” إلى ” برلين” و لا حقاً ” باريس” عمل بعض أولئك المثقفون الروس المنفيون على خلق مشروع بديل للمشروع البلشفي . و أحد تلك البدائل أصبح – في نهاية المطاف- يتمثل في الأيديولوجيا ” الآور أسيوية” .
و طرح/اقترح أنصار هذه الفكرة أن مريدي التغريب لروسيا و البلاشفة هما على خطأ كلاهما ؛ فمريدو التغريب على خطاً لأنهم يعتقدون أنّ روسيا هي جزء (متأخر/متباطيء ) من الحضارة الأوربيّة و التحول إلى التنميّة الديمقراطيّة . أمّا البلاشفة فعلى خطا لافتراضهم أنّ الدولة كلها بحاجة إلى إعادة بناء على أسس الصراع الطبقي و الثورة العالميّة للطبقة العاملة .
و بدلاً من ذلك عمد ” الآور أسيويين” إلى التأكيد على أنّ روسيا كانت حضارة متفردة و لها مسلكها و مهمتها التاريخيّة الخاصين ؛ و ذلك بأن تخلق مركزاً مختلفاُ للقوة و الثقافة بحيث لا يكون أوربيّاً أو آسيويّاً و لكن بامتلاك ميزات الاثنين . و آمن ” الأور-آسيويين ” بالسقوط الحتمي للغرب و عندها ستحين لحظة روسيا لتكون الانموذج العالمي الرائد .
في عام 1921 ، نشر المفكرون المنفيون “ززز” مجموعات مقالات بعنوان ” النزوح إلى الشرق” و تلك المقالات كانت بداية الميلاد الرسمي للعقيدة/الأيديولجيا ” الآور- آسيويّة” ، اعتمد و بني ذلك الكتاب على فكرة أنّ قدر روسيا يتمثل في جغرافيتها ، و لا يمكن لأي حاكم أن ينأى بنفسه عن ضرورات تأمين أرضه .
و باعتبار اتساع و ضخامة روسيا ، فقد آمنوا ، أن قائدها يجب أن يفكر بطريقة امبراطوريّة ، مستغرقاً و منتبها إلى مخاطر سكان/ شعوب على كل حدٍ من الحدود الروسيّة . و في الوقت ذاته، أجلوا أية أشكال/صور للديمقراطيّة أو الاقتصاد المفتوح ، او الحكم المحلي أو الحريّة المدنيّة ، باعتبارها خطرة جداً و غير مقبولة . و وفقاً للمنطق السابق ، فقد اعتبر الـ” آور-آسيويين” “بيتر العظيم ” الذي حاول أوربة [ من أوربا] روسيا في القرن الثامن عشر ، عدواً و خائناً ،
و في المقابل نظروا بتعاطف و استحسان إلى حكم التاتار-المنغول ما بين القرنين الثالث إلى الخامس عشر عندما علّم ” جنكيز خان” الروس درساً قاسياً و مصيريّاً حول بناء دولة أكثر قوة و أكثر مركزيّة ، و تأسيس نظام شبه –هرمي للطاعة و السيطرة .
و اكتسبت اعتقادات و أفكار الـ ” آور- آسيويين” قوة بين القطاع السياسي الفاعل لمجتمع المهاجرين أو ” الروس البيض ” [ في النص :] الذين كانوا متحمسين للترويج لأية بدائل للبلشفيّة .
و على أيّة حال ، فقد تم تجاهل الفلسفة بل تم قمعها في الاتحاد السوفيتي ، و ماتت تقريباً بموت مؤسسيها . و استمر ذلك الوضع حتى عقد التسعينيات عندما انهار الاتحاد السوفيتي و استحالت صفحة روسيا الأيديولوجيّة إلى فراغ خالص .

ثورة الثوري

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي كانت الأيديولوجيا الوطنيّة المتطرفة خارج الموضة الدراجة [ للأفكار] ، و بالأحرى ، فقد تطلع معظم الروس إلى دمقرطة [ من التحول إلى الديمقراطيّة] و إعادة تهيئة روسيا للاندماج في العالم .
مع و جود بقيّة قليلة من العناصر الوطنيّة المتشددة و التي عارضت انهيار البنيّة السوفيتيّة ( ) و آمنت – كما بوتين اليوم- بأنّ انهيار الاتحاد السوفيتي كان أعظم و أخطر الكوارث الجيوبولوتيكيّة خلال القرن .
و من بين أولئك كان الأيديولوجي ” الكسندر دوغين Alexander Dugin” الذي كان كاتباً مشاركاً منتظمِاً لمركز و صحيفة (Den) القوميّة المتطرفة ( تعرف اليوم بـ ” الغد” )
و بدأت شهرته المبكرة عام 1991 من خلال كراسته ” حرب القارات” و التي وصف فيها صراع الجيوبوليتيك الجاري بين نوعين من القوى العالميّة : “قوى اليابسة (land powers)” أو ” روما الخالدة – Eternal Rome ” و التي تستند إلى مباديء الاستقلاليّة و التكافليّة بين الجماعات المحليّة و المثاليّة و منح الأولويّة القصوى للصالح العام .
و بين ” حضارة البحر ” أو ” قرطاج السرمديّة- Eternal Carthage ” المستندة إلى الفردنة و التجارة و الماديّة (materialism) . و في ضوء فهم ” دوغين” فإن ” قرطاج السرمديّة” تجسدت تاريخيّاً في الديمقراطيّة الأثينيّة و الإمبراطوريتين الألمانيّة و البريطانيّة و ، و اليوم يعاد تمثيلها من قبل الولايات المتحدة .

و تجسدت ” روما السرمديّة” في روسيا . و بالنسبة لـ”دوغين ” فإن الصراع بين الاثنتين سيستمر حتى تتدمّر احداهما تماماً . و لا يمكن لأي نوع أو نمط من النظام السياسي و لا لمقدار من التجارة أن يوقف ذلك . و لأجل أن يتمكن الخير (روسيا) في نهاية المطاف من هزيمة الشر ( الولايات المتحدة) فإن الثورة المحافِظة يجب أن تتخذ مكانها الحقيق بها ، كما كتب .
أمّا أفكاره عن الثورة المحافِظة فهي مقتبسة عن/من كتابات المفكرين الألمان خلال حقبة ما بين الحربين الذين روّجوا لتفكيك نظام “الليبراليّة الفردانيّة- individualistic liberal ” و الثقافة التجاريّة للحضارة الصناعية و المدنيّة
لصالح نظام جديد يستند إلى القيم المحافظة؛ كخضوع احتياجات و رغبات الفرد إلى رغبات و احتياجات المجموع ، نظام من اقتصاد يخضع لتنظيم الدولة و قيم محافِظة/تقليديّة للمجتمع تستند إلى نظرة شبه-دينيّة للعالم .

و بالنسبة لـ “دوغين” فالأنموذج الرائد للثورة المحافظة تمثّل في ” جمهورية سالو الاشتراكيّة”** في شمال إيطاليا و المدعومة من النازيين بين 1943 و حتى 1945 . و بالتأكيد فقد عاد ” دوغين ” باطراد إلى ما رآه بعضاً من فضائل الممارسات النازيّة مفصحاً عن تقديره لـ ” الشرطة السريّة-SS ” و طائفة “هيرمان ويرث” الغامضة في معهد “Ahnenerbe”***
و على التعيين ، فقد امتدح ” دوغين ” المشروع الثوري الأرثوذكسي المحافظ الذي طورته الـشرطة ” السريّة – SS” و معهد (Ahnenerbe) لأوروبا ما بعد الحرب ، الذي يعيدون من خلاله تصوّر أوروبا موّحدةً و منظّمةً و فقاً لنظام إقطاعي من مناطق مقسّمة عرقيّاً و التي بدورها تخدم السيد ( الإقطاعي ) الألماني كاتباع و فلاحين .
و من الجدير بالملاحظة أنّ معهد ” Ahnenerbe ” و من خلال مشروعاته الأخرى كان مسؤولاً عن جميع التجارب التي أجريت على البشر في معسكري الاعتقال ” الآوشتفيز ” و ” داخاو” .

انضم ” دوغين” بين عامي 1993 و 1998 إلى القومي الروسي الأسطورة “إدوارد ليمنوف ” لتكوين حركة ” البلاشفة القوميين ” ( لاحقا أصبحت “الحزب القومي البلشفي” أو NBP ) المحظورة حاليّاً ، إذ أضحى حينها زعيم المفكرين الأيديولوجيين لتوليفة غريبة من الاشتراكية و الأيديولوجيا اليمينّة المتطرفة ، و في حقبة التسعينيات كان معروفاً بوصفه الزعيم الفكري لكل حركة اليمين المتطرف الروسيّة .
و امتلك دار نشر خاصة ” Northern Country” و عديداً من مواقع الكترونيّة لامعة ، و عدداً من الصحف و المجلات ، كما نشر ” أسس الجيوبوليتيك ” الذي صار من الأكثر مبيعاً فور نشره ، و كان أكثر انتشاراً في الجيش على التحديد .
و بدأ تقديم ” دوغين ” للتيار/النخبة السياسيّة الرئيسة في سنة 1991، عندما أضحى مستشاراً للبرلماني الروسي “” أحد اكثر السياسيين الروس محافظة و رئيس البرلمان الروس لمرتين و العضو في “الحزب الشيوعي ” و مؤسس حزب ” انبعاث روسيا” و في السنة ذاتها و بمساعدة من ” Vladimir Zhirinovsky ” زعيم القوميين الروس و المسمّى مغالطةً بـ “حزب روسيا الليبرالي الديمقراطي ” أضحى ” دوغين” رئيس قسم ” الجيوبولوتيك” في ” المجلس الاستشاري للدوما” Duma ” لشؤون الأمن القومي .

و لكن دخوله عالم السياسة لم يترجم بالضرورة إلى جاذبيّة أوسع في أوساط سياسات النخبة ، و لذلك كان على ” دوغين” أن يعيد تشكيل أيديولوجيته إلى شيء / شكل مختلف ، شكل روسي خالص .
و نعني ، أنّه أسقط اكثر العناصر راديكاليّةً و عنفاً و فئويّةً من أيديولوجيته ، بما فيها غموضه الباطني (mysticism) و أن يتوجّه و يعتمد بدلاً من ذلك على [ النظريّة] ” الآور-آسيويّة” الكلاسيكيّة لكل من ” Trubetzkoy ” و ” Savitskii ” .
و اعدّ العدة لتكوين حركة ” الآور-أسيويين الدوليين” و هي مجموعة سوف تشمل أكاديميين و سياسيين و برلمانيين و صحافيين و مثقفين من روسيا و جوارها ن ومن الغرب أيضاً .

إلى أوروبا و أبعد من أوروبا

و كما هي حال الـ ” الآور-أسيويين” في عقدي العشرينيات و الثلاثينيات من القرن العشرين فإن أيديولوجيّة ” دوغين ” هي معاديّة للغرب و معاديّة لليبراليّة ، كما أنّها توليتاريّة و ( محكومة من قبل البيروقراطيين ) و تقليدية من الناحية الاجتماعية .
كما أنّ قوميتها ليست سلافيّة التوجّه ( رغم أنّ للروس مهمة خاصة تتمثّل في التوحيد و القيادة ) و لكنها تنطبق على سائر أمم “أور-آسيا” الأخرى.
و هي تدعو ” العقلانيّة” [ كمنهج فلسفي ] بالغربية و لذلك تروّج لنظرة تجاه العالم هي مبهمة و روحيّة و عاطفيّة و مسيحيّة .
و لكن الـ ” آور- آسيويّة ” الجديدة الخاصة بـ”دوغين” تختلف جوهريّاً عن أفكار ” الآور-أسيوين” السابقة ؛ أولاً ؛ تصوّر /تخيّل” دوغين ” لـ”آور-أسيا” أن تكون أضخم و أكبر من أي تصوّر لأسلافه ، على سبيل المثال بينما آمن ” ” بأن الدولة الروسية-الآور أسيويّة يجب أن تمتد من سور الصين العظيم في الشرق إلى جبال ” الكاريات” [ سلسلة جبال تنتد في شرق أوروبا ] في الغرب . بينما آمن ” دوغين ” بأنّ الدولة الـ”الآور-آسيويّة” يجب أن تشمل جميع الجمهوريات السوفيتيّة السابقة، أعضاء الكتلة الاشتراكية ، بل و ربما تأسيس / انشاء حكومة وصاية تشمل جميع أعضاء الاتحاد الأوروبي ، أمّا في الشرق ، فقد اقترح ” دوغين ” الذهاب بقد ما يسمح باحتواء ” منشوريا” و ” ” و التيبت” و ” منغوليا” . بل إنه اقترح الالتفاف في النهاية إلى الجنوب الغربي تجاه المحيط الهندي .

و لكي يتم احتواء أوروبا في ” آور-أسيا” كان على ” دوغين ” أن يعيد صياغة مفهوم العدو ، ففي الأفكار الكلاسيكيّة للمنظرين الـ ” الآور- اسيويين ” تمثّل العدو في أوروبا ” الرومانيّة-الجرمانية Romano-Germanic ” أمّا في نسخة ” دوغين” فالعدو هو ” الولايات المتحدة ” إذ كتب :
” الولايات المتحدة ، هي ثقافة متخيلّة و بلا جذور في أرضها الحاليذة [ نقلت من أرضها لتزرع في أرض أخرى ] و غير أصيلة ، و ليس لدولتها حالة من القداسة [ ربما يكون المعنى أقرب إلى تبجيل السكان لدولتهم ] أو التقاليد أو التربة الثقافيّة ، و لكن و مع كل ذلك تحاول أن تفرض بالقوة على القارات الأخرى نموذجها العنيف و الفوضوي (babylonic) و المعادي للتقاليد و الأعراق ”
و في المقابل فإنّ المنظرين “الآور-أسيويين ” الكلاسيكيين قد تحيزوا إلى الولايات المتحدة بل حتى انهم اعتبروها انموذجاً ، و امتدحوا على الخصوص قوميّتها الاقتصادية و مبدأ ” مونرو” و كونها ليست عضواً في عصبة الأمم .
و إحدى نقاط الاختلاف الهامة الأخرى هو موقفه [ المقصود هنا هو ” دوغين” ] تجاه الفاشيّة و ألمانيا النازيّة ، إذ و حتى قبل الحرب العالمية الثانيّة فقد عارض المفكرون الأور-آسيويون الكلاسيكيون الفاشيّة و وقفوا بوجه معادة السامية العنصريّة ، و قد امتدح ” دوغين” دولة إسرائيل لاعتمادها و اتكائها في تشكلها على مباديء النزعة المحافظة ، إلا أنّه تحدث عن الصلة بين النازيّة و الصهيونيّة ، ملمحاً إلى أنّ اليهود يستحقون دولتهم فقط بسبب ” الهولوكوست” .
و قسّم اليهود كذلك إلى ” أخيار ” و ” شرار” فالخيرون ؛ هم الأرثوذكس [ الأرثوذكسيّة هنا بمعنى الطريق المستقيم او المحافِظ ] و يعيشون في إسرائيل ، أمّا الأشرار ؛ فهم الذين خارج إسرائيل ، و بالتأكيد فهذه الآراء نادراً ما يشار لها علانيةً هذه الأيام .

لعبة بوتين

ازدادت شعبيّة و انتشار أفكار ” دوغين ” منذ بدايات العقد الأول للألفية ، و وجدت انعكاساتها في تحول و انتقال” بوتين ” من الديمقراطيّة الظاهريّة إلى ” السلطويّة ” ، في الحقيقة ، فإن تحوّل “بوتين ” المحافظ منح ” دوغين” فرصةً مثالية “لإعانة” القائد الروسي بتعليلات و توضيحات تاريخيّة و جيوبولوتيكيّة و و ثقافيّة لائقة لسياساته .
و لندرك مدى جاذبيّة أفكار ” دوغين ” لبعض الروس ، فإن “بوتين” قد استوعب بعضاً من تلك الأفكار في سعيه نحو تحقيق أهدافه الخاصة .

و رغم أنّ ” دوغين ” قد ينتقد “بوتين” من حين إلى آخر ، ليبراليته الاقتصادية و تعاونه مع الغرب ، فهو عموماً يبقى حليف الرئيس الثابت .
في عام 2002 أنشّأ حزب ” آور-اسيا” الذي و جد ترحيباً من العديد في إدارة ” بوتين”.
و لطالما تسامح و صمت الكرملين بل و شجّع انشاء مثل تلك الأحزاب السياسة الصغيرة الموالية ، مما يعطي الناخبين الروس حسّ انهم يعيشون في بلد ديمقراطي .
فحزب ” دوغين ” يوفّر متنفساً للميول القوميّة و الشوفينيّة ، و حتى بوصفه حزبا سياسياً إلا انه محكوم من الكرملين . و في الوقت ذاته فقد رسذخ ” دوغين” لعلاقات قويّة مع ” سيرجي جلاسيف ” و هو قائد مشارك للجماعة الوطنيّة السياسيّة ” رودينا” و حالياً المستشار السياسي لبوتين لشؤون التكامل الآور-أسيوي . و قد حاول ” دوغين ” عام 2003 أن يكون نائباً برلمانياً إلى جانب جماعة ” رودينيا” إلا انّه فشل .
و برغم هزيمته في معركته الانتخابيّة ، إلا أنّ القبول الإيجابي من بعض الناخبين لمشروعه المعادي للغرب ن قد شجّع ” دوغين ” للمضي قدماً مع الحركة ” الاور-آسيوية” .
و بعد صدمة ” الثورة البرتقالية” عام 2004 أنشّأ ” اتحاد الشباب الآور-آسيوي” الذي روّج / شجّع الثقافة القوميّة المعاديّة للغرب ـ و اليوم يملك الاتحاد 47 مكتباً للتنسيق في روسيا و 9 مكاتب في رابطة الدول المستقلة و بولندا و تركيا و انتشارها يجاوز انتشار أي من الحركات ذات التوجّه الديمقراطي الموجودة حالياً.

نواقيس في بريدكم الالكتروني

ستصلكم آخر الموضوعات من نواقيس على بريدكم الالكتروني

دس ينعلك تشرّف بساطنا

Something went wrong.

ما رأيك؟