جوردون س. وود : الديانة الأمريكية

    لم يكن التوفيق بين الدين و السياسة في يوم من الأيام بالأمر الهين أو اليسير. ولا يدلنا علي ذلك الصراع الطائفي الدموي الجاري في العراق فحسب، بل كذلك النزاعات الانفعالية عندنا نحن؛ وإن لم يصل بنا الحال بعد إلي تفجير بعضنا البعض. فمن أبحاث الخلايا الجذعية إلي التصميم الذكي، و من الصلاة في المدارس إلي ذكر الرب في قَسَم الولاء، تحدث قضايا الدين والسياسة فُرقة كبيرة بين الأمريكيين. ذلك أنه بينما يظن البعض أن البلاد قد نسيت الرب وميراثها المسيحي، يخشي البعض الآخر من استيلاء المتدينين المتحمسين علي الحكومة والثقافة ليقيموا دولة يحكمها رجال الدين.

من أبحاث الخلايا الجذعية إلي التصميم الذكي، و من الصلاة في المدارس إلي ذكر الرب في قَسَم الولاء، تحدث قضايا الدين والسياسة فُرقة كبيرة بين الأمريكيين

من المحتم أنه علي مدي العقد المنصرم أو يزيد أغرق المتنازعون علي الجانبين البلاد بكتب عن الدين والحكومة يروج كل منها لموقف كاتبه، حيث كان لدي معظمهم الكثير مما يقولونه عما كان يقصده المؤسسون فيما يتعلق بدور الدين. والواقع أن بيان أن المؤسسين كانوا سيقرون موقف الكاتب يبدو أمرًا أساسيا بالنسبة لأي جدل بشأن الدين والحكومة.

الكتابان اللذان نعرضهما هنا محاولة للتدخل في المجادلات الساخنة الحالية. وهما يسعيان للتوفيق بين الخلافات القومية والتقريب بين الأمريكيين من خلال إعادة رواية التاريخ الفعلي للدين في أمريكا، وخاصة عند تأسيس الدولة. وكما يتفق الكاتبان، فنحن الأمريكيين لدينا تراث ديني غير عادي إلي حد كبير. إذ إننا لا نولد في ديننا بالطريقة ذاتها التي نولد بها في مواطنتنا. ذلك أن الدين شأن طوعي في كثير من الأحيان، وهو مسألة اختيار حر. ولا توجد مؤسسة دينية هنا وليست هناك صلة رسمية علي نحو كبير بين الدين والحكومة؛ والواقع أنه علي امتداد الجيل السابق كان هناك اهتمام يكاد يكون مفرطًا بإبعاد الدين عن الثقافة العامة وشئون الدولة.

ومع ذلك فلم تؤد هذه النزعة الطوعية والفصل بين الكنيسة والدولة إلي اللامبالاة الدينية أو فتور الشعور الديني. فالواقع أنه باستثناء أيرلندا، نجد أن الولايات المتحدة الدولة الدينية الوحيدة في العالم الغربي. ويقول حوالي 90 بالمائة من الأمريكيين إنهم يعتبرون أنفسهم مؤمنين متدينين من نوع أو آخر، ويعتنق حوالي 80 بالمائة عقيدة مسيحية ما، ويؤمن 79 بالمائة بميلاد العذراء، ويقول 79 بالمائة إن يسوع قام قيامة مادية من الموت، ويزعم 48 بالمائة أنهم عاشوا تجربة «الميلاد الثاني» المسيحية، ويقول أكثر من 40 بالمائة من الأمريكيين إنهم يرتادون الكنيسة أسبوعيا، مع أن نسبة من يرتادون الكنيسة بالفعل قد تكون أقرب إلي 25 بالمائة. وعلي أية حال، فهناك عدد ضخم من الجماعات الدينية المختلفة، يصل بها أحد الإحصاءات إلي أكثر من 1500 جماعة، من بينها أكثر من خمسة وسبعين نوعًا مختلفًا من المعمدانيين وحدهم. بل إنه في مواجهة «العلمانية» القاسية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، مازال الدين في أمريكا مزدهرًا. وإلي جانب كون الدين معفيا من الضرائب، فهو يزدهر بدون دعم من الحكومة أو الدولة، وبدون أي من المؤسسات التقليدية التي حافظت علي الأديان في أماكن أخري في غيرها من الدول. فكيف تطورت تلك الثقافة الدينية غير العادية؟ وما هي الظروف التاريخية التي خلقت هذا العالم الديني المتميز؟

فالواقع أنه باستثناء أيرلندا، نجد أن الولايات المتحدة الدولة الدينية الوحيدة في العالم الغربي. ويقول حوالي 90 بالمائة من الأمريكيين إنهم يعتبرون أنفسهم مؤمنين متدينين من نوع أو آخر، ويعتنق حوالي 80 بالمائة عقيدة مسيحية ما، ويؤمن 79 بالمائة بميلاد العذراء، ويقول 79 بالمائة إن يسوع قام قيامة مادية من الموت، ويزعم 48 بالمائة أنهم عاشوا تجربة «الميلاد الثاني» المسيحية، ويقول أكثر من 40 بالمائة من الأمريكيين إنهم يرتادون الكنيسة أسبوعيا، مع أن نسبة من يرتادون الكنيسة بالفعل قد تكون أقرب إلي 25 بالمائة. وعلي أية حال، فهناك عدد ضخم من الجماعات الدينية المختلفة، يصل بها أحد الإحصاءات إلي أكثر من 1500 جماعة، من بينها أكثر من خمسة وسبعين نوعًا مختلفًا من المعمدانيين وحدهم.

لم يكن الأمر علي هذا النحو في البداية. ففي زمن المستعمرات الأولي في القرن السابع عشر، كان معظم المستعمرين المهاجرين إلي العالم الجديد يأتون معهم بالمواقف التقليدية الخاصة بالأوروبيين فيما يتعلق بالدين. وكان الدين يدخل في كل شيء. ورغم ما حدث من تقدم في العلوم في القرن السابع عشر، كان الدين لا يزال الوسيلة الكبرى التي يفسر بها معظم الناس العالم. وكان معظم المهاجرين إلي أمريكا، كشأن معظم الأوروبيين في تلك الفترة ومثل أناس كثيرين في أماكن أخري من العالم اليوم، يفترضون أن رخاء الدولة يتوقف علي وجود التماثل الديني داخلها. وكانوا يفترضون أن هناك حقيقة دينية قويمة تفسر العالم وأن مسئولية الدولة هي فرض تلك الحقيقة. ولم يكن معظم المستعمرين يفكرون في أي فصل حقيقي بين الكنيسة والدولة؛ فقد كان الدين والحكومة شطرين من وحدة كاملة غاياتها واحدة؛ وكان الدين ومجد الرب من أجل الجماعة الواحدة ذات المصلحة المشتركة. كما كان الدين مهمًا لرفاهية الشعب الذي كانت الدولة تتحمل بالضرورة مسئولية دعمه الكبري بكل طريقة ممكنة؛ بدءًا من جمع العشور ودفع رواتب رجال الدين حتي معاقبة الهراطقة والمنشقين.

  ومع ذلك، تآمرت الظروف في أماكن أخري من العالم الجديد لتغيير المؤسسات الدينية الأوروبية التقليدية. فلم يكن المستعمرون الإنجليز في فيرچينيا يستهدفون إلا إقامة نوع من الكنيسة التي كانوا يعرفونها في العالم القديم؛ وهي فرع فيما وراء البحار من كنيسة إنجلترا. ولكن لم يأت إلي أمريكا أساقفة أو كبار أساقفة، وبالتالي لم يكن هناك تكرار لتراتب كنيسة إنجلترا المعقد في فيرچينيا أو أي مكان آخر من العالم الجديد.صحيح أن أتباع طائفة البيوريتان الذين جاءوا إلي خليج ماساتشوستس في عام 1630 كانوا فارين من اضطهاد كبير أساقفة كانتربري لود وكنيسة بريطانيا الأنجليكانية التراتبية. غير أنهم لم يكونوا يسعون إلي التسامح الديني بالمعني الحديث. فقد كانوا لا يبغون سوي ممارسة الحقيقة الدينية القويمة كما يرونها، وما إن سيطروا علي كنائس خليج ماساتشوستس حتي أقاموا أكبر قدر ممكن من التماثل الديني في العالم الجديد، وهو ما كان كبير أساقفة كانتربري لود يسعي إليه في العالم القديم. فكانوا يطالبون السكان بارتياد الكنائس البيوريتانية وسرعان ما قضوا علي الانشقاق، إما بنفي المنشقين أو شنقهم. ولأن التركيبة الكنسية التي كانوا يؤيدونها تقوم علي الأبرشيات، وكانت بالتالي تتناسب بشكل مثالي مع اتجاهات الحياة الأمريكية الخاصة بإضفاء السمة المحلية، فقد نجح بيوريتانيو ماساتشوستس نجاحًا كبيرًا في دينهم الدين الرسمي؛ والواقع أن مؤسستهم الدينية الأبرشانية في ماساتشوستس أصبحت في نهاية الأمر الأطول بقاءً في الولايات المتحدة، حيث حافظت علي وجودها حتي عام 1833.

وفي بعض المستعمرات كان وجود طوائف عديدة داخل المجتمع الواحد يجبر علي إجراء تغييرات في التفكير. فقد استُوطنت مستعمرة ميريلاند علي سبيل المثال باعتبارها ملجأً للكاثوليك الإنجليز. ولكن بما أن الكاثوليك لم يكونوا يشكلون أغلبية المستعمرين، فقد شعر مُلاَّك ميريلاند، وهم عائلة كال فيرت، في عام 1649 بأنهم مضطرون لإصدار قانون التسامح الشهير الخاص بميريلاند. ونص القانون علي أنه لضمان الهدوء العام ولهذا السبب وحده يمنح كل المسيحيين المؤمنين بالتثليث الحق في ممارسة دينهم بحرية.

لم تكن تلك بالوثيقة الحديثة. فهي لم تذكر شيئًا عن الفصل بين الكنيسة والدولة أو عن حرية الضمير الفردي. بل كانت مجرد أداة براجماتية محدودة المقصود بها تلبية متطلبات الحفاظ علي النظام في المجتمع الذي توجد به ديانات عديدة. وتسامح القانون مع تلك الجماعات التي كان مضطرًا للتسامح معها فحسب؛ وحظر سب الجماعات الدينية «بأسلوب توبيخي»، وعاقب بالموت كل المجدفين ومنكري التثليث.

كانت بالمستعمرات الوسطي التي تضم نيويورك و نيوجيرزي و بنسلفانيا قدر أكبر من التنوع الديني. وشملت تلك الجماعات الدينية الأنجليكانيين، و الأبرشانيين، والمعمدانيين, والصاحبيين، و المشيخانيين، واللوثريين، و الهيجونوت، والإصلاحيين الهولنديين والألمان، وحتي بعض اليهود. ولا شك في أن تعددية الشعوب والأديان تلك كانت حقيقة أساسية تشكل طابع الحياة الدينية في أمريكا العصور المبكرة. وخلق التنوع الشديد في العرقيات والجماعات الدينية ( والواقع أنه لم يكن هناك تمييز بين الأمرين في أمريكا العصور المبكرة) صعوبة شديدة في إقامة أي نوع من المؤسسة الدينية وفرض التماثل والعقيدة التقليدية، رغم محاولة حكومات نيويورك ونيوچيرزي المتعاقبة ذلك.

الواقع أن مستعمرتين في القرن السابع عشر تأسستا علي مبدأ الحرية الدينية المثالي. ففي عام 1681 منح التاج البريطاني الأرستقراطي ويليام پن، من طائفة الصاحبيين، قطعة أرض كبيرة أصبحت مستعمرة پنسلفانيا وملجأً لطائفة الصاحبيين الإنجليزية المضطهدة. وكان جزء من حلم پن الخاص بإقامة مجتمع من الحب الأخوي رفض وجود أية مؤسسة دينية، ولم يكن منح الحرية الدينية للمستعمرة يعني أي فصل بين الدين والحكومة. وكتب پن: «يبدو أن الحكومة جزء من الدين نفسه، فهي شيء مقدس في مؤسساته وغرضه». وكان تصوره لدور الحكومة في تنظيم الأخلاق ومعاقبة المجدفين ودعم السبت لا يختلف كثيرًا عن دور البيوريتانيين في نيو إنجلاند.

ونشأ وضع مشابه في رود آيلاند القرن السابع عشر، حيث سعي روچر ويليامز، المرتد عن ماساتشوستس البيوريتانية، إلي بناء مجتمع مدني للمنشقين البيوريتانيين الذين لم يلوثهم فساد الدولة. وكتب ويليامز أن «الرب لا يطالب بتماثل الدين»، ولا بوجود مؤسسة الكنيسة. وقال ويليامز إن الروح الداخلية للناس بحاجة إلي ما يحميها من الدولة، وبالتالي لابد من إقامة «جدار عازل» يفصل بين الكنيسة والشئون الدنيوية. إلا أن ويليامز كان يتوقع أن تفرض الدولة النظام في المستعمرة.

رغم ذلك الشذوذ عن القاعدة، فقد كانت المستعمرات الأمريكية حتي منتصف القرن الثامن عشر لا تزال تعتقد أن الحقيقة الدينية متكاملة وأن مسئولية الدولة هي دعمها. ولكن وجود الطوائف المختلفة داخل المجتمع الواحد يجبر الناس علي التسامح علي نحو بطيء وبشكل ضنين. وفي الوقت نفسه كان منظرو التنوير، مثل چون لوك، يقدمون التبريرات الفكرية والفلسفية للتسامح وحرية الضمير التي أضعفت الإيمان التقليدي بالعقيدة القويمة والمؤسسة. وكانت الكنائس التي تدعمها الدولة في كل مكان بالمستعمرات محاطة بأعداد متزايدة من المنشقين الذين اضطرت الكنائس إلي الاعتراف بهم والتسامح معهم. ومع ذلك، فإنه بالرغم من تنازلات التسامح، فقد ظلت الافتراضات القديمة قوية في كل مكان تقريبًا؛ إذ كان كل شخص في المجتمع لا يزال لديه التزام بدعم الدين. ولو لم يكن ذلك الدين هو دين الكنيسة الرسمية، فقد يكون دين إحدي الطوائف المسيحية التي ينص القانون صراحةً علي الاعتراف بها والتسامح معها. ولم يعد هناك أحد، بمن في ذلك اليهود، يتعرض للمضايقات أو يشنق بسبب معتقداته الدينية. غير أن الجميع، باستثناء المسيحيين البروتستانت، كانوا يعانون في كل مستعمرة تقريبًا من التفرقة السياسية.

غيرت الصحوة الكبري وهي سلسلة من الحركات الإحيائية التي اجتاحت المجتمعات في مختلف أرجاء قارة أمريكا الشمالية في العقود الوسطي من القرن الثامن عشر المشهد الديني الأمريكي من جديد. وكان جزء كبير من النزعة الإحيائية ينفذه القساوسة الجوالون الذين كانوا يغزون الأبرشيات الرسمية ويتحدون سلطة رجال الدين التقليديين. وأثناء ذلك كانت الكنائس الطائفية تتحطم، وكانت الأواصر التي تربط الناس بالقيود الدينية التقليدية تتفكك، وكان هناك تأكيد علي منطق البروتستانتية الفردي بشكل لم يسبق له مثيل. وفقدت فكرتا العقيدة القويمة والتماثل الكثير والكثير من معناهما بالنسبة للأمريكيين. وكان رجال الدين الإحيائيون يحثون الناس علي أن يثقوا في «محاسبة النفس» وفي أحكامهم الخاصة فحسب، حتي وإن كان «جيرانك يتذمرون منك، ويوبخونك». وبلغ الأمر ببعض الوعاظ الإحيائيين حد التأكيد علي «الضرورة المطلقة لكل شخص كي يتصرف علي نحو فردي… وكأنه ليس هناك مخلوق بشري آخر سواه علي الأرض». وفي تلك الفترة كان عبء الروابط الدينية الجديدة للناس يقع بشكل واضح عليهم هم أنفسهم وعلي قراراتهم الفردية.

كانت نتائج اليقظة جذرية. فقد زادت من سرعة التطورات التي كانت تحدث منذ القرن السابع عشر. كما أنها أحدثت تحولاً آخر في دور رجال الدين، وفتتت الكنائس المؤسسية علي نحو لم يحدث من قبل، بل قوضت الاعتقاد التقليدي بأن الدين التزام جمعي. فقد قل في أمريكا كون الدين مسألة شعائر وطقوس وزاد كونه مسألة اهتداء فردي. وقل كون رجال الدين جماعة كهنوتية من القساوسة تؤدي واجبات كهنوتية لمجتمع ثابت وزاد كونها جماعة من الوعاظ الإنجيليين الذي يسعون إلي إقناع الأفراد بالقدوم وإنقاذهم. ولم يعد الحكم علي رجال الدين برفاهية المجتمع الذي يفترض أنهم يخدمونه، وإنما بعدد الأرواح المفردة التي أنقذوها. وبناءً علي ذلك أصبح رجال الدين أكثر اعتمادًا علي الناس الذين يحاولون إقناعهم. وفي ظل تلك الظروف كان من الصعب التفكير في وجود قدر كبير من الوحدة بين الكنيسة والمجتمع.

زادت الثورة الأمريكية من تحول الديانة الأمريكية. فقد أقرت إيمان التنوير بحرية الضمير وظلت تفتت الصلة التي كانت ضعيفة أصلاً بين الكنيسة والدولة. ولكنها لم ترفض دور الدين في الثقافة.

هنا تصبح القصة مثيرة للجدل ويستجمع مؤلفا الكتابين اللذين نعرضهما قدرًا كبيرًا من طاقتهما. ويقدم چون ميتشام مدير تحرير «نيوزويك» عرضًا كاملاً ومقروءًا جدًا لما تمكن منه المؤسسون. ويدرك ميتشام أن قضية الدين والحياة العامة الحالية تثير مشاعر مكثفة. وهو يقول إن أصحاب العقلية العلمانية يستشهدون حاليا بما قاله چيفرسون عن «الجدار العازل بين الكنيسة والدولة» ويفترضون أن النقاش ينبغي أن يتوقف عند هذه النقطة. ويدافع المسيحيون المحافظون من جانبهم عن غزواتهم للحياة العامة باقتباس ما قاله المؤسسون عن الدين، «وكأن واشنطن وآدامز وچيفرسون وفرانكلين كانوا جنودًا مسيحيين مبتهجين». ويقول ميتشام إن هذا الانقسام بشأن الدين يتسم بالعناد ويمكن أن ننهيه من خلال «استعادة معني عصر التأسيس وروحه».

وهو يظن أن المؤسسين لديهم ما يقولونه لنا بشأن قضية الدين في الحياة العامة. فقد كانوا يؤمنون بكل من العقيدة والحرية، وهو ما يمكن أن نؤمن به نحن في الوقت الراهن، «ذلك أن زمانهم كزماننا»، وصراعاتهم لها «صدي معين في عصرنا».

إن هدف ميتشام الجدير بالثناء هدف شامل؛ إذ إن فكرته الرئيسية هي فلنقبل القليل من موقف كل جانب. وهو يعترف بأن «الإيمان بالرب أساسي بالنسبة لتجربة البلاد. ومع ذلك فالمركز العريض يري أن الإيمان مسألة اختيار ولا إكراه فيه». وهو يقول إنه بذلك «يكون ميراث التأسيس هو ما يؤمن به المركز الواعي… إذ كان المؤسسون يؤمنون بأنهم يعملون في خدمة الرب والإنسان، وليس في خدمة أي منهما دون الآخر». فقد أقاموا توازنًا بين الرب والحكومة، وهذا ما يفترض أن نفعله نحن. كما أنهم خلقوا ما يسميه ميتشام «الدِّين العام» الذي نجح في الحفاظ علينا خلال عقود متعاقبة، وهو واثق من أنه سوف يخرجنا سالمين من اضطرابنا الحالي.

يؤيد ديفيد ل. هولمز في كتابه هذه الرؤية المتوازنة للمؤسسين. ويشعر هولمز، الذي يعمل أستاذًا للدراسات الدينية في كلية ويليام وماري، برغبة شديدة في بيان أن كبار المؤسسين واشنطن وچيفرسون وآدامز وماديسون وفرانكلين ومونرو كانوا متدينين وغير متشددين في تدينهم في الوقت ذاته. فقد ظلوا جميعًا، إلا فرانكلين، يتعبدون من حين لآخر في الكنيسة المسيحية الخاصة بأسلافهم؛ وعندما كان فرانكلين يرتاد الكنائس في فيلادلفيا كان يميل للذهاب إلي كنيسة المسيح، وهي واحدة من ثلاثة كنائس أسقفية بروتستانتية في المدينة. إلا أنه في الوقت نفسه كان هؤلاء المؤسسون جميعًا متأثرين بدرجة أو بأخري بالربوبية، وهي مجموعة من معتقدات تنوير القرن الثامن عشر التي تفترض وجود رب فعال في ثوابه وعقابه وربما حياة آخرة، ولكنها تنكر ألوهية المسيح.

يبدو أن هولمز يدمن التصنيف؛ فقد خلق عدة صناديق دينية يضع فيها كل مؤسس من المؤسسين. وهو يفيد من الربوبية ويعاملها كما لو كانت إيمانًا عاملاً، علي سبيل المثال؛ وبذلك يحول ما كانت الغالبية تراه مجرد معتقد غامض إلي ماهو في واقع الأمر ملة دينية أخري ينتمي إليها الناس. وهو يقدم «مرشد العلماني (أي غير الإكليريكي)» لتصنيف آراء المؤسسين الدينية تصنيفًا صحيحًا ويفترض وجود ثلاث فئات: الربوبية اللامسيحية، والربوبية المسيحية، والمسيحية القويمة. ويقول هولمز إنه لكي نضع كلاً من المؤسسين في فئته الصحيحة، لابد أن ننظر أولاً إلي أعمالهم: هل كانوا يرتادون الكنيسة أو يخدمون كأعضاء في مجلس الكنيسة؟ ثانيا: هل جري تعميدهم أو تزكية إيمانهم؟ ثالثًا: ما مدي نشاطهم في كنائسهم؟ هل كانوا يشاركون في القربان المقدس، بما في ذلك تناول العشاء الرباني؟ ورابعًا: ما نوع اللغة الدينية التي كانوا يستخدمونها؟

طبقًا لما يظنه هولمز، فقد كان توماس پين وإيثان ألن ربوبيين لامسيحيين؛ فكان كلاهما يزدري المسيحية، حيث كان پين يقول إنه «من بين أنساق الدين جميعها التي اختُرعت ليس هناك ما هو أكثر حطًا من قدر الرب، ولا أكثر تحقيرًا للإنسان، ولا أكثر بُغضًا للعقل من ذلك الشيء الذي يسمونه المسيحية». وبما أن واشنطن وچون آدامز وماديسون كانوا يرتادون الكنيسة بانتظام، وظلوا منتسبين إلي إحدي الملل المسيحية القويمة، فقد كانوا ربوبيين مسيحيين. وبما أن پاتريك هنري، وصمويل آدامز، وچون چاي لم يكونوا يرتادون الكنائس فحسب، بل كانوا يؤمنون بألوهية يسوع، فقد كانوا مسيحيين قويمين. أما تصنيف فرانكلين وچيفرسون فأكثر صعوبة. ففرانكلين لم يكن منتظمًا في ارتياده الكنيسة ولا يبدو أنه كان يؤمن بألوهية المسيح، غير أنه لم يكن لديه كره قوي للديانة المنظمة؛ فالواقع أنه كان يظن أنها مفيدة للناس. ويقول هولمز: «كان فرانكلين كذلك من بين هؤلاء الربوبيين الذين ظلوا متقبلين إمكانية التدخل الإلهي أو العناية الإلهية الخاصة في الشئون البشرية»؛ وهو الرأي الذي كان يشاركه فيه معظم المؤسسين، وخاصة واشنطن.

كان چيفرسون مختلفًا كل الاختلاف عن المؤسسين الآخرين. فقد كان يضمر ازدراءً شديدًا للدين المنظم ولرجال الدين، حيث كان يعتقد أنهم متحالفون باستمرار مع المستبدين ضد الحرية. وقال إنهم «في سبيل ذلك، كانوا يحولون دون وصول الدين في أنقي صوره إلي الناس، ويحولونه إلي لغز ولغة غير مفهومة للبشرية كافة، وبذلك يكون محركًا أكثر أمانًا لتحقيق أغراضهم». ولم يكن التثليث عنده سوي «كلام غير مفهوم» و«خداع… لا يمكن أن يفهمه العقل البشري بحيث لا يمكن لأي رجل مخلص أن يقول إن لديه فكرة عنه». كما قال إن السخرية هي السلاح الوحيد الذي يمكن أن يستخدم ضده. ومع ذلك يقول هولمز إنه «بالرغم من هرطقة چيفرسون، فقد ظل في الظاهر أنجليكانيا وأسقفيا طوال حياته». وكان چيفرسون معروفًا بنفاقه، ولكنه في هذه الحالة يبدو أن مظهره الخارجي الخاص بالشعائر الدينية كان مصدره كراهيته الشديدة للجدل الشخصي.

اقتصرت تعليقات چيفرسون شديدة القسوة بشأن رجال الدين وآرائهم المنحرفة الخاصة بالمسيحية، التي ظل يداوم عليها طوال حياته، علي الرسائل الخاصة إلي أشخاص كان يفترض أنهم يشاركونه آراءه. إلا أنه نشر في بداية حياته العملية تعليقات تفتقر إلي الحكمة عن الدين أوقعته في مشاكل. ففي «ملاحظات عن ولاية فيرچينيا» الذي نُشر لأول مرة في عام 1785، هاجم كنيسة فيرچينيا الرسمية وكتب أنه «لا يضيرني في شيء أن يقول جاري إن هناك عشرين إلهًا، أو إنه لا وجود لأي إله. فهذا لا ينشل مني شيئًا ولا يكسر ساقي». وفي ديباجة لائحته الشهيرة الخاصة بالحرية الدينية في فيرچينيا التي أُقرت في عام 1786، قال: «إن اعتماد حقوقنا المدنية علي آرائنا السياسية لا يزيد بحال من الأحوال علي اعتمادها علي آرائنا في الفيزياء أو الهندسة».

خلقت تلك التعليقات العامة، التي كانت خارجة بشكل عنيف علي الرأي العام السائد، عاصفة من النقد وأدت في انتخابات عام 1800 إلي تسميته ب «الكافر الفرنسي» و«الملحد»؛ ومن المؤكد أن ذلك كان أكثر الاتهامات التي ساقها ضده خصومه, فاعلية. ومع أن چيفرسون، شأنه شأن سائر المؤسسين، لم يكن لديه شك في وجود الرب، فقد عاني في العلن من اتهامات الإلحاد والكفر تلك في صمت، حيث كان ينفيها في السر باعتبارها ولعًا بالانتقاد تميز به رجال الدين الاتحاديون المتعصبون. ومع ذلك فقد كان يرغب بشدة في أن يكتسب إلي جانب قضيته الجمهورية كل الأشخاص المتدينين العاديين الذين صوتوا لخصمه؛ ولكي يحقق ذلك كان يعرف أن عليه التعويض عن اتهامات الاتحاديين له بأنه عدو للمسيحية. ونتيجة ذلك أنه كان يعلم تمامًا الأثر الذي يمكن أن يحدثه، كرئيس، بحضوره قداسًا أقيم في يناير من عام 1802 في قاعة مجلس النواب. وقد حظي حضوره الشعائر الدينية باهتمام شعبي كبير أدهش الاتحاديين. وداوم چيفرسون علي حضور القداس في قاعة المجلس ووفر مباني تنفيذية للوظائف الكنسية. إلا أنه كما يشير هولمز وميتشام، فلم يكن سلوك چيفرسون جديدًا عليه في الواقع؛ إذ كان چيفرسون منتظمًا باستمرار في ارتياده الكنيسة، وجري تعميده، وتزوج في أبرشيته، وخدم في مجلس كنيسته المحلية، وكان يحضر القداس المقام في المباني الحكومية في فيرچينيا.

في عام 1803، عندما تلقي چيفرسون نسخة من كتاب چوزيف پريستلي «مقارنة بين سقراط ويسوع»، حثه ذلك علي تسجيل أفكاره المشابهة فيما أسماه «مجمل تقييم جدارة مبادئ يسوع مقارنة بمبادئ الآخرين». وأرسل نسخة من هذا المقال المكون من ألف كلمة إلي پريستلي، وإلي بنچامين راش الذي كان قد سأله عن آرائه الدينية، وإلي صديقه چون پيدچ، وإلي مجلس وزرائه، وإلي العائلة. وقد أعقب هذا المقال بنسخة قص ولصق من العهد الجديد أزال منها كل الإشارات إلي المعجزات الخارقة للطبيعة وألوهية المسيح وأبقي كل الفقرات التي كان المسيح فيها يدعو إلي الحب والقاعدة الذهبية.( وقد أسمي تلك المجموعة «فلسفة المسيح». وأخبر أحد أصدقائه أن تلك الأعمال، التي باتت تسمي كتاب چيفرسون المقدس، «دليل علي أنني مسيحي حق، أي أنني حواري لمبادئ يسوع، ومختلف تمامًا عن الأفلاطونيين الذين يدعونني كافرًا». ومع أن چيفرسون لم ينشر تلك الأعمال، فقد شاع أنه غير آراءه الدينية، وهي الشائعة التي لم يألُ چيفرسون جهدًا في إنكارها.

ويمثل چيفرسون باعتباره أحد المؤسسين أهمية خاصة بالنسبة لنا بسبب رسالته الشهيرة التي بعث بها في عام 1802 إلي معمدانيي دانبري بولاية كونيتيكت التي يوردها ميتشام في أحد ملاحقه. وفي هذه الرسالة الموجهة إلي المعمدانيين، الذين كانوا يكنون معارضة شديدة تعود إلي روچر ويليامز لأي تدخل للدولة في الدين، قال إن التعديل الأول للدستور الاتحادي أقام «جدارًا عازلاً بين الكنيسة والدولة». وفي قضية «إيفرصن ضد مجلس التعليم» (1947) استشهد القاضي هوجو بلاك بعبارة چيفرسون فيما كان أول تصريح مهم للمحكمة العليا بشأن البند الخاص بالمؤسسة الدينية في التعديل الأول للدستور الأمريكي. وأتي ذلك بمجموعة من القرارات الأكثر إرباكًا علي مدي الستين سنة التالية، حيث كافحت المحكمة العليا للحفاظ علي الجدار العازل هذا. وجاهدت المحكمة من أجل تعريف ما يمكن السماح به وما لا يمكن السماح به فيما أصبح علاقة نزوية إلي حد كبير بين الكنيسة والدولة. فالصلاة بالمدارس غير مسموح بها إذا كانت برعاية الإدارة، ولكن ربما لا يكون الأمر كذلك إذا كانت برعاية الطلاب. والاحتفال بالأعياد الدينية في المدارس العامة غير مسموح به، ولكن السماح للطلاب بعدم الذهاب إلي المدارس في أعيادهم الدينية مسموح به. وفي هذا المناخ الذي يبعث علي الارتباك أصبح المدرسون في المدارس العامة غير متيقنين بشأن ما هو مسموح به وما هو غير مسموح به إلي الحد الذي جعلهم يتحاشون في كثير من الأحيان الحديث عن الدين ككل، مما أدي إلي شكوي الكثير من الأمريكيين من إبعاد الدين عن الفضاء العام.

خلق چيمس ه. هستون، رئيس قسم المخطوطات بمكتبة الكونجرس ومؤلف ومحرر العديد من الأعمال المميزة عن المؤسسين والدين، عاصفة من الجدل حينما استنتج في عام 1999 من دراسته لرسالة دانبري أن چيفرسون كان له هدف سياسي محض من وراء كتابة الرسالة ولم يكن في ذهنه ذلك النوع من الجدار العالي والمنيع بين الكنيسة والدولة الذي يحافظ عليها فقهاء القانون المحدثون. ويقول هستون إن واقع الأمر هو أن كتابة چيفرسون للرسالة قبل يومين من حضوره قداس في قاعة مجلس النواب يوحي بأن ذلك الجدار العازل لم يكن المقصود به قط إبعاد الدين عن الميدان العام.(>)

وذكر مؤرخ شاب اسمه يوهان ن. نيم في بحث سينشر قريبًا، وعلي نحو مقنع جدًا، أن جدار چيفرسون العازل لم يكن هو النقطة المهمة في الرسالة. فقد كان چيفرسون ينظر إلي الجدار علي أنه وسيلة في سبيل تحقيق غاية أكبر فحسب. إذ كان ذلك سيوفر الوقت للعقل والبحث الحر كي يشق طريقه إلي التنوير النهائي الذي كان يؤيده. بعبارة أخري، كان الجدار سيحمي المعمدانيين من «الأمر الدائم» الخاص ببيوريتانيي كونيتيكت علي المدي القصير؛ ولكن چيفرسون كان يظن أن المعمدانيين والأمر الدائم مرشحان علي المدي الطويل للانقراض، كشأن كل الديانات القائمة علي الإيمان وليس العقل. والواقع أن چيفرسون ظل حتي عام 1822 يعتقد أنه «لا يوجد شاب يعيش حاليا في الولايات المتحدة لن يموت علي التوحيد».

لقد كان مخطئًا في واقع الأمر. فلا يبدو أنه فهم القوي السياسية التي وراء نجاحه ونجاح ماديسون في حصول مشروع قانونه الخاص بالحرية الدينية في برلمان فيرچينيا. وربما ظن أن معظم أهل فيرچينيا قبلوا التفكير المستنير في ديباجته، غير أن القانون ما كان ليحظي بالموافقة بدون الدعم الكاسح لأعداد المشيخيين والمعمدانيين الإنجيليين المتزايدة في الولاية الذين كانوا يكرهون المؤسسة الأنجليكانية إلي حد أنهم لم يعيروا اهتماما لما تقوله الديباجة. ولم يكن المصدر الرئيسي لفصلنا بين الكنيسة والدولة في يوم من الأيام هو العقلانية المستنيرة، بما هي عليه من أهمية في وقتنا الراهن، بل إدراك الجماعات الدينية العديدة المتنافسة بشكل متزايد أن تحييد الدولة في أمور الدين أفضل من الدخول في مخاطرة سيطرة أحد خصومها علي الحكومة.

في العقود الأولي من القرن التاسع عشر كانت المسيحية الإنجيلية الشائعة الخاصة بالصحوة الكبري الثانية تكتسح البلاد. والواقع أن التحول الديني الذي جاء نتيجة للثورة كان جذريا إلي حد بعيد. فقد فرض الأشخاص العاديون بأعداد غير مسبوقة الاعتراف بحقوقهم أثناء الثورة، وجاءوا معهم بحماسهم الديني المساواتي. وحلت فجأة الطوائف والملل الدينية الجديدة، التي لم يكن أحد قد سمع بها من قبل في بعض الحالات، محل كنائس الدولة القديمة التي سيطرت علي المجتمع الاستعماري طوال قرن ونصف، وهي الأنجليكانية والأبرشانية والمشيخية. وبحلول بداية القرن التاسع عشر، كانت جماعات المعمدانيين والميثوديين المتحمسة قد انتقلت من هوامش المجتمع الأمريكي إلي مركزه. غير أن الأمر الأكثر وضوحًا من النمو السريع لتلك الديانات التي تعود أصولها إلي العالم القديم, كان الظهور غير المتوقع لطوائف جديدة وجماعات دينية طوباوية لم يكن قد سمع بها أحد من قبل؛ وهي الأصدقاء الكونيون، والخلاصيون، والمهتزون، ومجموعة من الجماعات الصغيرة المنشقة والطوائف الألفية الأخري. وبين عشية وضحاها تقريبًا تغيرت الثقافة الدينية بكاملها ووضعت أسس ظهور عالم ديني إنجيلي يضم مللاً متنافسة كان يعد فريدًا في العالم المسيحي.

ولا يمكننا أن نحل نزاعاتنا الحالية بشأن الدين بالنظر إلي الظروف التاريخية الفعلية الخاصة بالتأسيس؛ فتلك الظروف من التعقيد والارتباك والتحيز للمسيحية البروتستانتية بحيث لا يمكن استخدامها حاليا في المحاكم، ومعظمها بعيد عن احتياجات القرن الحادي والعشرين أو معادٍ لها. ويخطئ ميتشام حين يقول إن قصة التأسيس لها «صدي معين في عصرنا» وإن «زمان (المؤسسين) كزماننا». ورغم كل مخاوفنا الحالية بخصوص حكم رجال الدين، فقد كان الدين حينذاك أشد قوة وأكثر انتشارًا مما هو عليه الآن، حتي وإن كانت نسبة عضوية الكنائس في ذلك الوقت أقل مما هي عليه الآن؛ والواقع أنه كما يشير هولمز بحق، فإن تدين العصر الثوري المفرط جعل المؤسسين يبدون «أقل ورعًا». وكان چيفرسون وماديسون وغيرهما من القوميين في موقف الدفاع أمام قوي الحماس المسيحي الشعبي. وكان فرانكلين حكيمًا فقط في نصحه صديقًا في عام 1786 بألا ينشر أي شيء يهاجم المسيحية التقليدية. فقد قال إن «من يبصق في وجه الريح يبصق علي وجهه». وعلي النقيض من ذلك فإن المخلصين في تدينهم هم الذين يشعرون الآن بهجوم الثقافة العلمانية المتزايدة ومحاصرتها لهم.

رغم زعم ميتشام، فالواقع أن المؤسسين لم «ينجحوا» في أن يخصصوا ل« الدين مكانه الصحيح في المجتمع المدني ». ويمكن لميتشام أن يدعي هذا الادعاء فقط لأن القضاة في القرن العشرين نجحوا في دمج التعديل الأول مع التعديل الرابع عشر ثم ربطه بالولايات، وهو ما لم يكن مقصودًا في عام 1787. وكشأن كثيرين جدًا يكتبون عن هذه الأمور، ينسي ميتشام الإحساس الحاد بالحكومة الفدرالية المحدودة الذي كان لدي معظم أمريكيي أواخر القرن الثامن عشر؛ وهو يميل إلي تجاهل تطبيق التعديل الأول حينذاك علي الحكومة الفدرالية فحسب وليس علي الولايات بحال من الأحوال. صحيح أن المعاهدة التي أُبرمت مع طرابلس الإسلامية في عام 1796 نصت علي أن «حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لا تقوم بأي معني من المعاني علي الدين المسيحي»، إلا أن هذا لم يكن يصدق علي العديد من حكومات الولايات؛ ذلك أنها كانت في بداية الأمر ولايات قائمة إلي حد كبير جدًا علي المسيحية، كما أعلنت. وربما كان الرئيس أندرو چاكسون مدققًا بشأن تورط الحكومة القومية في الأمور الدينية، غير أنه لم تكن لديه شكوك بشأن تشجيع حكومات الولايات للمسيحية. بل يبدو أن ميتشام يعتقد أن شعار البلاد (E Pluribus Unum من الكل يكون الواحد) كان يشير فحسب إلي «الطبيعة التعددية للتجربة الأمريكية»، وليس إلي أن الثلاث عشرة ولاية المستقلة التي تجمعت معًا لتكوِّن دولة. في البداية كانت الولايات المتحدة، التي كانت جمعًا باستمرار، أقرب شبهًا بالاتحاد الأوروبي الحالي منها إلي الدولة المركزية نسبيا الحالية. وهذه الحقيقة تخلق فرقًا ضخمًا في الطريقة التي نفسر بها التأسيس.

مع أن دساتير الولايات الثورية لعام 1776 أكدت جميعها بطريقة أو بأخري إيمان التنوير بالحرية الدينية، فإن معظمها لم يتخل عن دوره التقليدي في الأمور الدينية. ومن المؤكد أن مؤسسة كنيسة إنجلترا الرسمية التي كانت موجودة في ست مستعمرات أُلغيت علي الفور في 1776-1777 . ولكن الدساتير الثورية لميريلاند وساوث كارولينا وچورچيا أجازت لمجالسها النيابية خلق نوع من المؤسسة التعددية التي تضم الكثير من الجماعات الدينية لتحل محل الكنيسة الأنجليكانية، مستخدمةً في ذلك أموال الضرائب في دعم «الدين المسيحي». واشترط العديد من دساتير الولايات إجراء الاختبارات الدينية للموظفين الحكوميين. وكانت ست ولايات نيو هامبشير وكونيتيكت ونيو چيرزي ونورث كارولينا وساوث كارولينا وچورچيا تشترط أن يكون الموظفون الحكوميون بروتستانت. وكانت ميريلاند وديلاوير تشترط كونهم مسيحيين. وكان لابد لموظفي ساوث كارولينا أن يؤمنوا بالإله الواحد وبالجنة والنار، وكانت ديلاوير تشترط الإيمان بالتثليث. واحتفظت كونيتيكت وماساتشوستس بمؤسستيهما الأبرشانية حتي العقدين الثاني والثالث من القرن التاسع عشر.

نحن لا نقيم القوانين الدستورية الأمريكية علي الواقع التاريخي للتأسيس، ولا يمكننا ذلك. فقوانيننا الدستورية تقبل أية رواية تتضمن قصد المؤسسين؛ فربما أصبحت الرواية القانونية ضرورية عند تشكيل قوانين البلاد، ولكنها تظل رواية رغم ذلك. فقصد أي من المؤسسين نختار لإبرازه؟ هل هو قصد چيفرسون وماديسون الربوبيين؟ أم قصد واشنطن وآدامز اللذين كانا يرتادان الكنائس وكانا يتعاطفان مع الدين؟ أم قصد ما لا حصر لأعدادهم من البروتستانت الإنجيليين الذين استولوا علي الثقافة إلي حد لم يتوقعه معظم النخبة المؤسسة قط؟

ربما ظل چيفرسون غافلاً عما كان يحدث، ولكن أفراد النخبة الآخرين كانوا علي معرفة أفضل. وفي عام 1811 اعترف الفقيه القانوني البارز چيمس كنت، مستشار نيويورك، في قضية التجديف الشهيرة «أهل نيويورك ضد راجلز» بالصلة القانونية بين ولايته والدين. واعترف كنت بأنه ليست لنيويورك كنيسة رسمية، وبأنه ليست لها لائحة تحظر التجديف. ورغم ذلك أعلن أن سب الدين المسيحي وازدراءه الذي يصرح به المجتمع كله تقريبًا، كما فعل راجلز، يهدف إلي «ضرب جذور الالتزام الأخلاقي وإضعاف أمن الروابط الاجتماعية».

وكما فعل بعض المؤسسين، ازدرى “كنت” الحماس الديني وكان يصف المسيحية في المجالس الخاصة بالخرافة البربرية. أما كونه مستعدًا رغم ذلك لإعلان المسيحية جزءًا من القانون العام لولاية نيويورك فإجراء يتعلق بمقدار ما كان عليه مناخ الصحوة الكبري الثانية من ترهيب. وبرغم تأثير المذهب الإنجيلي في البيت الأبيض وفي الولايات الحمراء الآن، فنحن نعيش في عالم مختلف كل الاختلاف.

فالواقع أنه باستثناء أيرلندا، نجد أن الولايات المتحدة الدولة الدينية الوحيدة في العالم الغربي ...

ما رأيك؟