جورج بوردو - ملاحظات حول مفهوم الدولة - نواقيس
جورج بوردو - ملاحظات حول مفهوم الدولة - نواقيس

جورج بوردو : ملاحظات حول مفهوم الدولة

الإنسان ابتكر الدولة لكي لا يطيع الإنسان. لقد نشأت فكرة الدولة عن هاجس فصل علاقات السلطة بالخضوع

تعدد التعاريف :

ثمة تعاريف لا حصر لها متعلقة بالدولة. وترجع تعددية هذه التعاريف إلى تنوع وجهات النظر التي ينطلق منها أصحابها. فالجغرافي يعرف الدولة من خلال تراب وطني محدد، والسوسيولوجي لا يفصلها عن واقعة التمييز بين الحاكمين والمحكومين، ويرى المؤرخ أنها تعبير عن نمط وجود أمة، كما يعتبرها القانوني بمثابة نسق من الضوابط (ه. كيلسين)، وينظر إليها الفيلسوف  ” كجوهر أخلاقي واع بذاته ” (هيغل).

أما الاقتصادي، وتبعا للمدرسة التي ينتمي إليها، فهو يعتبرها السلطة التخطيطية العليا أو، حسب ف. باستيات، فهي عبارة عن” وهم كبير حيث يبذل الجميع قصارى جهدهم لكي يعيشوا على حساب الجميع«. وأخيراً فحتى الشاعر يقترح تصوره الخاص للدولة، سواء بنقدها على أساس »أنها الوحش الأكثر هدوءاً من بين الوحوش الهادئة«، أو بدفعه في اتجاه جعل الدولة ” الجدار الذي يحيط بالحديقة حيث تينع أزهار وثمار البشرية”  (هولدرلين).

الدولة ركيزة السلطة السياسية :

إن الصعوبات التي تكشف عنها اللغة عندما يتعلق الأمر بمفهوم الدولة، تعود إلى كونها لا تنتمي لعالم الظواهر الملموسة. فلم يسبق قط أن رآها أحد. ولكن وعلى الرغم من ذلك فنحن لا نستطيع التشكيك في واقعيتها، لأنها ذات طبيعة مفاهيمية. الدولة عبارة عن فكرة.

وإذا كانت الدولة عبارة عن فكرة، فإنها لا توجد إلا لأنه تم التفكير فيها. ولعل مبرر وجود هذا التفكير هو مكمن ماهية الدولة. وهذا المبرر ليس لغزا بل إن بساطته ساطعة: فالإنسان ابتكر الدولة لكي لا يطيع الإنسان. لقد نشأت فكرة الدولة عن هاجس فصل علاقات السلطة بالخضوع، عن العلاقات الشخصية التي تربط بين الزعيم و بين الخاضعين له. وينتج عن ذلك أن الدولة هي ركيزة سلطة تتعالى عن الإرادة الفردية للشخصيات التي تقودها.

الدولة مؤسسة:

statemachine- Alan Hardman

( .. .) تندرج الدولة في إطار مؤسسة دولتية، بحيث يكننا القول إن الدولة هي السلطة المؤسسة، وبالتالي إنها عموما، المؤسسة ذاتها التي تتجسد فيها السلطة. والمؤسسة هي مشروع في خدمة فكرة، مشروع منظم بحيث إنه يتلك، داخل المشروع، قوة وديمومة تفوق أكثر ما امتلكه الأفراد الذين تعتمد عليهم المؤسسة في ما يصدر عنها. في المؤسسة الدولتية، تكون الفكرة هي التمثل المهيمن داخل الجماعة، بالنسبة للنظام الاجتماعي المنشود. وهذا التمثل يتمكن، سواء بفضل عدد الأفراد الذين يتكون بداخلهم هذا التمثل، أو بحكم مهارة أو قوة أولئك الذين نجحوا في فرضه، من تأسيس قاعدة السلطة. إن هذا التمثل هو الذي، بفضل مأسسة السلطة، يصبح هو الطاقة المحركة للمؤسسة الدولتية.

( .. ،)إن مهمة المؤسسة هي تنظيم الحياة السياسية، وبشكل أساسي، فرض وضعية على الحاكمين يلعب فيها الاحترام دور إشراط الطابع القانوني الإلزامي لإراداتهم. في الواقع، مادامت قدرتهم لا تستمد من خاصية كامنة في شخصهم، فيتعين عليهم التوفر على الصفة التي ستمكنهم من ممارسة الحكم. لقد وجدوا هذه الصفة في الدستور الذي يحدد الشروط التي تخول الحق في الحكم، والإجراءات التي في ضوئها ستتم ممارسة الحكم .. إنه يحدد السيرورة التي تكون فيها الإرادات، والتي هي في حد ذاتها إرادات إنسانية، منسوبة للدولة، وتستفيد في نفس الوقت من السلطة التي ترتبط بقاعدة الحق والعقاب التي تؤدي إلى تدخل القوة العامة.

الدولة رهان الصراع السياسي :

نعلم أن كل القوى المتواجهة داخل المشهد السياسي، تسعى نحو استثمار الدولة لكي تترك بصمتها على أهدافهم ومتطلباتهم. من هذا المنظور تبدو الدولة إذن كرهان للصراع السياسي، و كمطية تحتمي وراءها القوى التي انتصرت، بحيث تفرض متطلباتها المتضمنة في مذاهبها وبرامجها، على أساس أنها إرادة الدولة. نادراً ما نجد مجتمعا سياسيا يكون على أقصى درجة من التجانس، بحيث يكون كل أعضائه موحدين في تثل وحيد للنظام المنشود. في الواقع ثمة تصورات مختلفة متعلقة بالمستقبل المنشود. وعندما تكون مقنعة بما فيه الكفاية، تشكل العديد من القضايا المتعلقة بتنظيم العلاقات الاجتماعية. وحسب السيرورة الملازمة لأصل كل السلط، فإن هذه التصورات تفرز طاقات تعمل على تحقيقها إنها تولد سلطاء ومما أن هذه السلط، افتراضا، لا تمتلك في ذاتها أية خاصية قانونية تسمح لها بفرض نفسها، يكننا أن نعتبرها سلطا بحكم الأمر الواقع. إن تنافس هذه السلط هو الذي يذكي الدينامية السياسية.

( نشر في سلسلة دفاتر فلسفيّة – بترجمة : محمد الهلالي و عزيز لزرق )

[ يمنع اقتباس ” بعض ” أو ” كل ” من المواد و النصوص المنشورة و المترجمة على نواقيس © إلا بعد مراسلتنا و مواقفتنا عبى ذلك، نقدر لكم تفهمكم]

[أو من طريق الرابط هنا read@nawaqees.com : لأية ملاحظات على التَّرْجَمَة أو المعلومات المنشورة يرجى التواصل على ] 

 

 

We don’t spam! Read our privacy policy for more info.

نواقيس ؛ محاولة أصلها إيمان بفعل القراءة ،كفعل وعي وتنوير وممارسة (Praxis) يتضمن موقع نواقيس منتخبات معاصرة ولا راهنيّة في الفكر و الفلسفة  والسياسة، إذ نؤمن أنّ هناك ما هو ضروري اكثر من متابعة الاحداث  الراهنيّة – كما تروى في شريط الأخبار – والكتابة عنها.

للتواصل و المساهمة اتبع الرابط

اظهر دعمك

Books 111
Send this to a friend