ترجمة: سعيد بوخليط

استعار بوبر Popper من برجسون Bergson، لكن بمعنى مختلف شيئا ما و وفق تمييز عقلاني وليس ديني، مفهومي “المجتمع المنفتح” و “المجتمع المنغلق”. ( نذكر أنه بالنسبة لبرجسون، المنفتح هو كل مجموعة (أخلاقية، اجتماعي، إلخ) تنفلت من خنق دائرة القواعد المغلقة والصلبة، منفتحة على طفرة الحياة والإبداع ).

المثل الأعلى السياسي العقلاني الذي يحدده بوبر ، لا يصطدم فقط بزيف العقلانية الطوباوية فحسب، ولكنه مهدد أيضا بصورة لا تقل خطورة من طرف هذه القوة الانفعالية التي تحن إلى “المجتمع المنغلق”.

 وحينما يطرح بوبر Popper مسألة تقابل “المجتمع المنغلق بـ”المجتمع المنفتح”، فإنه يتوخى من جهة وصف دلالة التاريخ الاجتماعي للإنسان. هو يرى أن تاريخ سمته التطور، بحيث يمكن أن نعود به إلى عصر “بيرقليس” Périclès، العصر الذي يمثل بالضبط اللحظة التي بدأ فيها الانتقال التدريجي من المجتمع الأول إلى الثاني. ومن جهة ثانية، يظهر له الصراع بين المجتمع المنفتح” و”المجتمع المنغلق” كصراع  دائم  لا يعرف نقطة النهاية.

على ماذا يرتكز إذن هذا التعارض؟ من جهة، المجتمع المنغلق هو مجتمع “ساحر” عاجز عن الفصل بين القوانين التي أبدعها الإنسان والقوانين التي جاءت بها الطبيعة:  يحترم التابوهات والإكراهات ويعتقد، وفق “أحادية ساذجة”، أن التقنيات الاجتماعية فرضتها الطبيعة  أو الآلهة.  وعلى النقيض من هذا فـ “المجتمع المنفتح” مجتمع لائكي Laïque، قادر على الفصل بين ما هو عرفي وما هو ليس كذلك، وينظر إلى المؤسسات كإبداعات إنسانية.

ومن جهة أخرى”المجتمع المنغلق” فهو مجتمع سلطوي يرفض الفكر النقدي:  فلا القوانين ولا الأساطير ولا سلطة القادة يمكن أن تكون موضوع اتهام.

على العكس من ذلك، نمارس منهجيا الفكر النقدي داخل ” المجتمع المنفتح”، وهو ما يفسر ظهور الفلسفة والعلم وأهميتهما. ومن جهة ثالثة “المجتمع المنغلق” مجتمع يرفض التطور، ويبحث على أن يبقى مماثلا لذاته في حين أن”المجتمع المنفتح” مجتمع يتطور بشكل لا نهائي، ويعمل باستمرار على وضع ذاته موضع تساؤل دون أن يسعى أبدا أو يتوخى الوصول إلى لحظة السكنية. أخيرا، المجتمع المنغلق مجتمع عشائري، يلغي الفرد ويميل إلى اعتبار نفسه جهازا لا يشكل فيه الأفراد إلا أجزاء: من هنا ضعف تحمله الاختلاف، كما أن قوة  الانفعالات الجماعية فيه تعمل على تذويب الأفراد في كائن واحد. على العكس من ذلك، “المجتمع المنفتح”، فهو مجتمع مختلف يقوم على الترابط والتواصل “المجرد” بين أفراده بواسطة وسائل منظمة، ويترك لكل واحد أخذ اختياراته الشخصية جاعلا من الفرد قيمته العليا.

يعتقد البعض بأنه من الممكن أن ننتقص من قيمة بأن نماثل فيه  بين الفردانية والأنانية، كما فعل أفلاطون، غير أن بوبر Popper يرى أن هذا المماثلة غير مناسبة. ذلك أن المجموعة يمكن أن تكون أنانية بينما يكون الفرد غيريا (متصفا بالإيثار)، بل يمكننا القول، ولو في حدود، بأن الآخرية تفترض الفردانية. ألم تُظهر ذلك كلٌ من المسيحية والكانطية بتعريفهما للأخلاق من خلال كونها تقوم التعامل مع الشخص الآخر كغاية؟

فيما يخص أطروحة التعارض المطلق بين المجتمعات “المنغلقة” و”المنفتحة”، فإنه يبدو بديهيا على المستوى التاريخي وكذا الأنثروبولوجي، حسب بوبر، أن الأمر يتعلق بتباين مختصر جدا : ألا توجد بين المجتمعات “البدائية” وكذا المجتمعات الحديثة فوارق لا نهائية؟

 نحن نعرف بأن الإثنولوجيا المعاصرة، قد ركزت، مع ليفي شتراوس Lévi-Strauss، على الاستمرارية بين المجتمعات القديمة والمجتمعات التاريخية .

 فمن جهة، التأكيد الساذج على “مجتمعات بدون تاريخ” يخفي في الأصل إرادة لفهم العالم، وإعطاء المعنى لوقائع بتصنيفات وحكايات ميثولوجية، ومن جهة ثانية، فإن القواعد الرمزية والموانع بعيدا على أن تكون وقفا فقط على “البدائيين” هي من صنع كل المجتمعات، والإنسان لا يمكنه أن يعيش اجتماعيا دون خلق نسق  ثقافي متعارض مع اقتضاءات الطبيعة، ويقوم بالتأكيد على المحظور والرمز.

 وإذا رأى  بوبر Popper أنه من المفيد التركيز على التمييز الجوهري بين نمطي المجتمعين (حيث لا يجب بالتأكيد البحث عن إعطاء أمثلة ملموسة في التاريخ بطريقة قطعية صارمة) فلأنه يعتبرهما كأنماط “مثالية” (بلغة ماكس فيبر) وظيفتها  توضيح التحليل.

       يمكننا فضلا على ذلك ملاحظة نوع من التشابه يقارب الفصل الذي  أقامه بوبر  Popperوكذا ليفي شتراوس Lévi-Strauss بين المجتمعات التي هي “بلا تاريخ”، أو ” الباردة” -هكذا تسمى قياسا مع الآلات الباردة مثل ساعة التوقيت- والمجتمعات “الساخنة” والتي تسمى كذلك قياسا مع لآلات الساخنة مثل الآلة البخارية. هاته الأخيرة، تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة، وتنتج كثيرا من العمل كما تنمي التوترات والتفاوتات الاجتماعية. لكن إذا كان ليفي شتراوس    ينزع نحو تفضيل المجتمع البارد، والذي حسم أحيانا قضايا الحضارة التي نصطدم بها –الديموقراطية-  واستبعد الصراعات – وخاصة صراعات الأجيال، والتواصل بين الأفراد- فإن بوبر  Popperيعطي قيمة أكثر للمجتمع التاريخي، لأنه وحده يمكّن من تطوير العلم، ويدفع بلا توقف الاختلاف الفردي.

  حسب بوبر Popper، فإن الحنين إلى “المجتمع المنغلق” يعطي في العمق إمكانية النزوع نحو التوتاليتارية. لماذا هذا الحنين؟

 الانتقال من “المجتمع المنغلق” إلى “المجتمع المنفتح” لم يتم دون إحداث صدمة للوعي الإنساني. لأنه من جهة كان  منبعا لصعوبات جسيمة صراع الطبقات هو بمعنى ما نتيجة لاختلاف المهام و الأفراد، و في الواقع فإن مجتمعا فردانيا بالنسبة لـ “بوبر  Popper”لا يمكنه تجنب الحد الأدنى من الصراعات، ومجتمع بلا صراعات  سيكون “مجتمع للنمل”

هذه من  جهة، ومن جهة ثانية فلأن “المجتمع المنفتح” أكثر اتساعا و فضائية، وأقل حماية من “المجتمع المنغلق”. وبما أن الإنسان، حسب التحليل النفسي، ينجذب حتما وبشكل ارتدادي إلى مرحلة الطفولة (بل وإلى مرحلة ما قبل الولادة) فإنه كذلك، في كل مرة تظهر فيها صعوبة ما، ينجذب نحو نسيان الذات والانصهار في الجماعة، والوقع تحت تأثير الرغبة في الاحتماء بقوة فوق بشرية ذات تراتب طبيعي، كل ذلك  يتم بنزوع قوي.

وإذن فالخروج من ” المجتمع المنغلق” يشكل “إزعاجا للحضارة “.  و كثيرون هم أولئك الذين يحلمون، وراء تجزئة المجتمعات الليبرالية الحديثة، ببعث تسلطي للوحدة المجتمعية.

 فالفاشية، وبصورة أقل بعض أشكال الحركة الشيوعية، هما التعبير عن هذه الرغبة  النوستالجية. ومع أنه لا يمكننا نفي حتمية النضج والانتقال إلى مرحلة الرشد، فلا يمكننا أن ننكر أن التطور الاجتماعي نحو “المجتمع المنفتح” أمر غير قابل للارتداد.

العودة إلى الوراء مستحيلة :”وقف التحول السياسي لا يمكنه خلق السعادة. و لا يمكننا أبدا العودة إلى ما يفترض من تناغم وجمال “المجتمع المنغلق”، حينما نشرع في استعمال قوانا النقدية، لا يمكننا العودة إلى مرحلة الخضوع الضمني لـ “سحر القبيلة”. ومن جهة ثانية فأولئك الذين يتوخون بالرغم من كل شيء النظر إلى الوراء لا يصلون في الواقع إلا إلى إنشاء أنظمة الرعب. الرومانسية التي “تحلم بعالم الجمال” تنتهي بخلق الجحيم، الجحيم “لواحدة الإنسان ويعده لباقي البشر”. يجب إذن حسب بوبر Popper دحض كل الإيديولوجيات التي تقوي الحنين إلى “المجتمع المنغلق”، ودعوة الأفراد إلى النهوض بالمجهود النقدي.

ما رأيك؟