الكسندر دوغين :  نحو  الامبراطورية الروسيّة

المقال الأول :

نحو إمبراطورية أوراسية جديدة

     يمكن تحديد عدد من النتائج التي تتعلق بآفاق الامبراطورية القادمة على أنها الصيغة الوحيدة للوجود اللائق والطبيعي للشعب الروسي وعلى أنها الإمكانية الوحيدة للوصول برسالته التاريخية والحضارية إلى أبعد مداها.

1 – الامبراطورية القادمة لا ينبغي أن تكون “دولة جهوية” (إعطاء صلاحيات واسعة أو مايشبه حكم ذاتي للأقاليم) ولا “دولة- أمة”:
وهذا أمر واضح. فليس من الضروري التوكيد على أن مثل هذه الامبراطورية لا يمكن أن تكون في أي يوم استمرار أو تطويرا لدولة جهوية أو “دولة – أمة” (هي منطقة جغرافية تتميز بإنها تستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها أمة أو قومية مستقلة وذات سيادة وهي كيان ثقافي وإثني) لأن مثل هذه المرحلة البيئية تحمل ضررا لا يمكن إصلاحه للتوجه الإمبراطوري القومي المتعمق وتنتهي بالشعب الروسي إلى متاهة التناقضات الجيوبوليتيكية والاجتماعية التي لا حل لها، وهذا بدوره ما يجعل البناء الإمبراطوري المنطقي، العقلاني أمرا مستحيلا.

2 – الامبراطورية الجديدة يجب أن تقام دفعة واحدة كإمبراطورية، ويجب أن ترسي المبادئ الامبراطورية الكاملة الأهلية والمتطورة في أساس مشروعها منذ الآن. ولا يجوز إرجاء هذه العملية إلى الأفق البعيد أملا بتوفر الظروف الملائمة في المستقبل. فأمثال هذه الظروف لإقامة الامبراطورية الروسية الكبرى لن تتوفر أبدا ما لم يبادر الشعب والقوى السياسية الطامحة إلى العمل باسمه منذ الآن إلى توطيد توجهها الجيوبوليتيكي والحكومي الأساسي وبصورة واعية وواضحة.
فالامبراطورية ليست مجرد دولة كبيرة جدا. إنها أمر مختلف كل الاختلاف. إنها حلف استراتيجي جيوبوليتيكي يتجاوز المعاملات الخاصة بالدولة الاعتيادية، إنها مافوق الدولة. ومن الناحية العملية لم تتطور أي دولة اعتيادية لتصبح إمبراطورية\. أقيمت الإمبراطوريات دفعة واحدة كتعبير عن إرادة حضارية متميزة، كحافز هائل لبناء العالم.
ولهذا فإن من الضروري القول منذ الآن لا ” الدولة الروسية ” بل الامبراطورية الروسية. لا طريق التطور الاجتماعي، بل طريق الثورة الجيوبوليتيكية.

3 –  الملامح الجيوبوليتيكية والإيديولوجية لإمبراطورية الروس الجديدة يجب أن تتحدد على أساس التخلص من تلك اللحظات التي أدت من الناحية التاريخية إلى إفلاس الصيغ الامبراطورية السابقة.
وبناء على ذلك يجب على الامبراطورية الجديدة:

– أن تكون لا مادية، لا إلحادية، ذات اقتصاد لا مركزي.
– أن تكون لها إما حدودها البحرية أو الأحلاف الصديقة على الأراضي القارية المجاورة.
– أن تتميز بالبنية العرقية-الدينية التعددية المرنة بالنسبة لبنائها السياسي- الإداري الداخلي وما إلى ذلك، بمعنى أن تأخذ في الحسبان الخصائص المحلية العرقية، الدينية، الثقافية، الأخلاقية وما إلى ذلك بالنسبة لكل منطقة وأن تضفي الصفة القانونية على هذه العناصر.
– إضفاء المرونة على مشاركة الدولة في توجيه الاقتصاد، فلا تمس إلا آفاقه الاستراتيجية، وتقليص الدورة الاجتماعية بشدة، والعمل على الوصول إلى المشاركة العضوية للشعب في قضايا التوزيع.
(هذه البنود الأربعة الأولى تنطلق من تحليل أسباب إفلاس الامبراطورية السوفياتية)
– شحن المعادلة الدينية – القيصرية بالمضمون المقدس الصافي الذي ضاع تحت تأثير الغرب العلماني على أسرة رومانوف، وتحقيق ثورة أرثوذوكسية “محافظة” من أجل العودة إلى منابع النظرة المسيحية الحق.
– تحويل مصطلح “الشعبية” من الشعار الأوفاروفي إلى أفق مركزي للبناء الاجتماعي – السياسي وجعل الشعب المقولة المؤسسية السياسية والحقوقية الأهم، ومعارضة التصور العضوي للشعب عن طريق المعايير الكمية للقانونية الليبيرالية والاشتراكية وصياغة نظرية “حقوق الشعب”.
– التوجه بدلا من الجيوبوليتيكا السلافيانوفيلية إلى المشاريع الاوراسية التي ترفض سياسة روسيا المعادية للألمان في الغرب وسياستها المعادية لليابانيين في الشرق والتخلص من التوجه الأطلسي الثاوي تحت قناع “القومية الروسية”.
– الحيلولة دون عمليات الخصخصة والرسملة وأيضا دون لعبة البورصة والمضاربات المالية في الامبراطورية، والتوجه نحو رقابة الشعب التعاونية، الجماعية والحكومية على الواقع الاقتصادي، ونبذ خرافة “الرأسمالية الوطنية” المثيرة للريبة.
– الانتقال من مبدأ المحافظات إلى إقامة العرقية – الدينية ذات المستوى الأعلى من المستوى الذاتي الثقافي، اللغوي، الاقتصادي والحقوقي في استقلالية سياسية، استراتيجية، جيوبوليتيكية وإيديولوجية واحدة.
(هذه البنود الخمسة تنطلق من نقد الأنموذج القيصري)
وعلى بناة الامبراطورية الجديدة أن يقفوا بفعالية ضد توجهات “الشبان الروس” في القومية الروسية، من يتطلعون إلى تثبيت وضعية “الدولة- الأمة” على روسيا، وضد جميع القوى السياسية الرومانسية التي تضع في مخططاتها الجيوبوليتيكية الدعوة إلى تلك العناصر التي كانت قد انتهت بالامبراطورية إلى الكارثة.
لا معنى لوجود الشعب الروسي كجماعة تاريخية عضوية بدون إبداع قاري يقوم على بناء الامبراطورية. ولن يغدو الروس شعبا إلا في إطار الامبراطورية الجديدة. وعلى هذه الامبراطورية، وفق المنطق الجيوبوليتيكي أن تتفوق من الناحية الاستراتيجية والمدى المكاني على الحالة السابقة (الاتحاد السوفييتي) وعلى هذا فإن الأمبراطورية الجديدة ينبغي أن تكون أوراسية قارية كبرى وأن تكون في المستقبل عالمية.
فمعركة الروس من أجل السيادة على العالم لم تنته بعد.

المقال الثاني :

القوة الأوراسية والبحار الدافئة و الباردة 

     عملية “تجميع الامبراطورية” ينبغي أن تتوجه منذ بدايتها نحو غاية بعيدة وهي انفتاح روسيا على البحار الدافئة. فبفضل كبح التوسع الروسي في الاتجاهات الغربية، والشمالية الغربية بالذات، تمكنت انجلترا الأطلسية من الاحتفاظ بهيمنتها على جميع “الآماد الشاطئية” المحيطة بأوراسيا. ومن الناحية الجيوبولوتيكية كانت روسيا دولة “مكتملة” في الشرق والشمال حيث تطابقت حدودها السياسية مع الحدود الجغرافية الطبيعية للبر الأوراسي. لكن المفارقة تتمثل في كون هذه السواحل تتلاصق “بالبحار الباردة” وهو ما يشكل حاجزا منيعا دون تطوير الملاحة البحرية في المستوى الذي يمكن به بصورة جادة القيام بالمنافسة على البحار التي ترفع راية “الجزيرة الغربية” ( إنكلترا ثم أميركا فيما بعد). ومن ناحية أخرى فإن الأراضي الروسية، الشرقية والشمالية لم يجر استثمارها بصورة كافية بسبب خصائص طبيعية وثقافية، وكافة المشاريع المتعلقة بتكامل آسيا الروسية (بدءاً من تلك التي اقترحها الدكتور بادماييف على الإمبراطور الأخير وحتى خط  “بايكال-أمور” المرتبط ببريجنيف). تم تدميرها بفعل منطقية محيرة ما وتحت تأثير الجوائح التاريخية، العفوية منها والمقصودة.
ومهما يكن من أمر فإن إيجاد مخرج على البحار الباردة في الشمال والشرق يجب أن يتمم بالانفتاح على البحار الدافئة في الجنوب والغرب، وفي هذه الحالة فقط تصبح روسيا “مكتملة” من الناحية الجيوبولوتيكية، وفي سبيل ذلك دارت الحروب الروسية التركية الوفيرة الأعداد والتي لم يجني ثمارها لا الترك ولا الروس، بل الإنجليز الذين أراقوا دماء الإمبراطوريتين التقليديتين الأخيرتين من بين الإمبراطوريات الثلاث ( الامبراطورية الثالثة هي النمسا والمجر).
أما الإندفاعة الأخيرة نحو الجنوب الذي يمثل ضرورة حياتية لروسيا فكان التوسع الفاشل للاتحاد السوفياتي نحو أفغانستان. والمنطق الجيوبوليتيكي يظهر بنفس المعنى بأنه سيكون حتما على روسيا أن تعود إلى هناك على الرغم من أنه كان أفضل بكثير أن تعود في صورة حليف، وحام وصديق، من أن تعود في صورة جلاد غليظ القلب. وآنذاك فقط وعندما يصبح الخط الساحلي حدودا جنوبية وغربية لروسيا يمكن الحديث عن الاكتمال النهائي لبنيانها الاستراتيجي. وليس ضروريا إزاء ذلك أن يدور الحديث حول الفتوحات والتوسع وعمليات الإلحاق فالحلف الاستراتيجي المكافئ، القوي، المعادي للأطلسية، المعقود مع الدول القارية، الأوروبية منها والآسيوية، يمكن أن يكون كافيا لتحقيق هذا الهدف.
والخروج إلى البحار الدافئة يمكن التوصل إليه ليس فقط عن طريق الحروب الدامية، بل ومن خلال سلام عقلاني مفيد للمصالح الجيوبوليتيكة لجميع الدول القارية، لأن مشروع التكامل الاستراتيجي الأوراسي سيمكن جميع تلك الدول من أن تكون حرة ومستقلة أمام الجزيرة الأطلسية البديلة والتي وحدها بدورها مبدأ مونرو الاستراتيجي.
كانت الخلجان والبحار الدافئة محظورة على روسيا عندما لم يكن قد وجد بعد ذلك العامل الأطلسي الواضح، الولايات المتحدة، الذي يهدد مصالح أوروبا بأسرها وآسيا بأسرها وعندما كانت الدول الكبرى المختلفة في البر تنافس إحداها الأخرى على الأولوية في مواجهة إنجلترا وعلى القيادية في قضية الوحدة الترابية الاستراتيجية.
لقد سلط تطبيق مبدأ مونرو الضوء على مجموع الأهمية الجيوبوليتيكية لروسيا ولهذا صار الاتحاد مع روسيا الثابت الملح الواضح بالنسبة لجميع علماء الجيوبوليتيكا الواقعيين في القارة (مهما كان اللبوس السياسي الذي يلبسونه تبعا للظروف، وخطر العولمة والشمولية الأطلسية يفتح لروسيا من الناحية النظرية منفذا إلى البحار الدافئة عبر الحلف الذي يفرض نفسه بنفسه بين “قلب الأرض” و”الهلال الخارجي” ضد المحتلين القادمين من وراء البحار.

الكسندر دوغين : نحو إمبراطورية أوراسية جديدة ...

 

ما رأيك؟