قال ابن رشد :

” إن الغرض من، هذا القول أن نفحص، على جهة النظر الشرعي، هل النظر في الفلسفة وعلوم المنطق مباح بالشرع، أم محظور، أم مأمور به، إما على جهة الندب، وإما على جهة الوجوب.
فنقول: أن كان فعل الفلسفة ليس شيئاً أكثر من النظر في الموجودات، واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها. وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم، وكأن الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات، و حث على ذلك. […]

فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار الموجودات بالعقل وتطلب معرفتها به، فذلك بين في غير ما آية من كتاب الله، تبارك وتعالى، مثل قوله تعالى ” فاعتبروا يا أو لي الأبصار ” وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلي، أو العقلي والشرعي معاً.
ومثل قوله تعالى ” أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء “؟ وهذا نص بالحث على النظر في جميع الموجودات.

وأعلم أن ممن خصه الله تعالى بهذا العلم وشرفه به، إبراهيم عليه السلام. فقال تعالى: ” وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ” الآية. – وقال تعالى: ” أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت “؟ وقال، ” ويتفكرون في خلق السموات والأرض ” إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى كثيرة.[…]
وإذا تقرر أن الشرع قد أوجب النظر بالعقل في الموجودات و اعتبارها، و كان الاعتبار ليس شيئاً اكثر من استنباط المجهول من المعلوم، و استخراجه منه، وهذا هو القياس أو بالقياس.  فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بالقياس العقلي.
[…]  وإذا تقرر أنه يحب بالشرع النظر، في القياس العقلي وأنواعه، كان يجب النظر في القياس الفقهي، فبين أنه إن كان لم يتقدم احد ممن قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه، أنه يجب علينا أن نبتدىء بالفحص عنه، وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم، حتى تكمل المعرفة به. “

من ” فصل المقال ”  طبعة دار المعارف ، ط 2 ، ص 22 .

ما رأيك؟