” اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم آلية وسيلة لهذه العلوم مثل العربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة. وربما كان (المنطق) آلة لعلم الكلام وأصول الفقه على طريقة المتأخرين.

فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار، فإن ذلك يزيد طالبها ملكته إيضاحا لمعانيها المقصود. وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط، ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل، لأن ذلك مخرج لها عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها لطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها، مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها، مع أن شأنها أهم والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة، فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يعني. وهذا كما فعل المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق وأصول الفقه، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها من كونها آلة وصيرها من المقاصد. وربما يقع فيها أنظار لا حاجة بها في العلوم المقصودة فهي من نوع اللغة. وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق، لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها. فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد؟ فلهذا يجب على المعلمين لهذه العلوم الآلية أن لا يستبحروا في شأنها وينبهوا المتعلم على الغرض منها ويبقوا به عنده. فمن نزعت به همته بعد ذلك إلى شيء من التوغل فليرق له ما شاء من المراقي صعبا أو سهلا، وكل ميسر لما خلق له “

ابن خلدون. المقدمة. طبعة علي عبد الواحد وافي 1962، ج4، ص1239.

ما رأيك؟