نشر  إدوارد سعيد هذا النص بعنوان : الدور العام للكتاب و المثقفين ، في مجلة ” الكرمل ” عدد 68 / 2001 . نعيد هنا نشر مقتطفات من النص الأصلي الطويل و دون تحرير أو إعادة صياغة .

المثقف في الفضاء العام :

[…] العديد من الناس ما زالوا يشعرون بضرورة النظر إلى المثقف/ الكاتب كشخص يستحق الإنصات، كمرشد للحاضر المرتبك، وأيضا، كقائد لجماعة أو لاتجاه يجاهد في سبيل الحصول على مزيد من السلطة والنفوذ. المصدر الغرامشي [ نسبة إلى أنطونيو غرامشي] لهاتين الفكرتين حول دور المثقف واضح.
الآن، في العالم العربي -الإسلامي، المفردات المستخدمة لوصف المثقف هي: مثقف أو مفكر؛ الأولى مستمدة من ثقافة (ومن هنا جاء تعبير رجل الثقافة) والثانية مستمدة من كلمة فكر (ومن هنا جاء تعبير رجل الفكر) . في الحالتين تتعزز وجاهة المعنى ويجري تضخيمها عند مقارنة معنى المثقف بمعنى الحكومة، التي ترى على نطاق عام في الوقت الحاضر كشيء بلا مصداقية أو شعبية، أو ثقافة وفكر.
‏لهذا السبب، يتجه العديد من الناس، بفعل الفراغ الأخلاقي الناجم، مثلا، عن جمهوريات سلالية، إما إلى المثقفين المتدينين أو العلمانيين بحثا عن قيادة تعجز السلطة السياسية عن تزويدهم بها، و رغم أن الحكومات برعت في استيعاب مثقفين وتحويلهم إلى ناطقين باسمها، إلا أن البحث عن مثقفين حقيقيين يتواصل، وكذلك التنافس بين المعنيين.[…]

الكاتب و المثقف :

[…] أعتقد أنه من الصحيح عموما في كل الثقافات أن الكتاب لديهم مكانة مستقلة، وربما تحظى بحفاوة أكثر من المثقفين، حيث تحيط بهم هالة الخلق، وقدرة مقدسة تقريبا على الأصالة (ذات طبيعة تنبؤية في الكيف والمدى) ولا تحيط بالمثقفين، الذين ينتمون مقارنة بالأدب إلى طائفة طفيلية وأقل من النقاد (هناك تاريخ طويل من الهجوم على النقاد باعتبارهم يهتمون بالسفاسف وغير قادرين على أكثر من التذمر والتحذلق) .
‏ومع ذلك اخذ الكاتب في السنوات الأخيرة من القرن العشرين المزيد والمزيد من صفات المثقف المعارض في مجالات مختلفة، مثل قول الحقيقة أمام السلطة، والعمل كشاهد على الاضطهاد والمعاناة، وتقديم صوت مختلف في الصراع مع السلطة.

الخطاب الثقافي في عصر النشر الإلكتروني :

… يجب تعديل أفكارنا الخاصة في الوقت الراهن حول الأرشيفات والخطاب بصورة جذرية، فلم يعد من الممكن تعريفها كما فعل فوكو باجتهاد قبل عقدين فقط. حتى لو كتب الإنسان إلى جريدة أو مجلة، فإن فرص تكاثر النسخ، وتوفر وقت غير محدود للتخزين يسببان الفوضى الشديدة حتى في حالة جمهور فعلي، مقابل جمهور افتراضي.
‏لا شك أن هذه الأشياء قلصت السلطات التي تملكها الأنظمة لممارسة الرقابة، أو حظر كتابة تعتبر خطيرة. توجد في الوقت الحاضر فرصة لمقالة أكتبها في نيويورك ‏لصحيفة بريطانية أن تظهر مزة اخرى في صفحات إلكترونية مستقلة، أو عن طريق البريد الإلكتروني على شاشات الكومبيوتر في الولايات المتحدة، واليابان، وباكستان، والشرق الأوسط، وجنوب أفريقيا، وكذلك أستراليا.
‏أصبحت سلطة تحكم الكاتب والناشر في ما يعاد نشره وتوزيعه محدودة جدا. وأشعر بالدهشة دائما (ولا أدرى هل أشعر بالغبطة أم الغضب) عندما يظهر شيء كتبته أو قلته في مكان ما في النصف الثاني من الكرة الأرضية في اللحظة نفسها تقريبا. لمن يكتب الإنسان إذآ، إذا كان من الصعب تحديد الجمهور بأدنى قدر من الدقة؟
‏يركز معظم الناس كما اعتقد على المصدر الفعلي للمادة المنشورة أو على القراء المزعومين الذين نحب مخاطبتهم.
إن فكرة وجود طائفة متخيلة من الناس حازت فجأة على بعد فعلي، وإن كان بعدا افتراضيا. يحاول الإنسان، بالتأكيد، كما جربت عندما بدأت قبل عشر سنوات الكتابة في مطبوعة عربية لجمهور من العرب، خلق، صياغة، أو الإشارة إلى جمهور بعينه. […]
‏لهذا السبب، علينا جميعا العمل في الوقت الحاضر بوعي أننا نصل جمهورا أكبر مما كنا نتخيل حتى قبل عشر سنوات مضت، وإن كانت فرصة الحفاظ على ذلك الجمهور بالطريقة نفسها غير مضمونة النتائج. المسألة ببساطة ليست مسألة تفاؤل الإرادة، بل هي من صميم طبيعة الكتابة هذه الأيام.
‏يجعل هذا الأمر من الصعب جدا على الكثاب أن يأخذوا الافتراضات العامة بينهم وبين جمهورهم كشيء مضمون، أو أن يفترضوا أن الإشارات والتلميحات ستفهم على الفور. عندما نفكر أن الافتراضات هي الخاطئة في العادة، وأنها تلك الأفكار السائدة، فإن الجهد الكامل للمثقف يتمثل في تفكيكها، وإزاحتها، وتغييرها بصورة كاملة.
و رغم ذلك، للكتابة في هذا الفضاء الموسع الجديد نتيجة تنطوي على مجازفة غير مأمونة، وهي حض الإنسان على قول أشياء إما مبهمة بالكامل، أو شفافة تماما، وإذا كان لدى الإنسان إحساس بمهمة فكرية أو سياسية […] يجب أن يميل إلى الشق الثاني بطبيعة الحال.
‏ومع ذلك للنثر الشفاف، البسيط، والواضح تحدياته الخاصة، حيث هناك خطر دائم في الوقوع في حيادية ساذجة مضللة […] الورطة حقيقية، سواء في النهاية لإبعاد القراء (والأخطر تطفل المحررين) أو ‏ محاولة كسبهم بإسلوب كتابة يشبه طريقة تركيب العقل الذي يحاول الإنسان رفضه وتعريته.
‏ما ينغي تذكره، أقول دائما لنفسي، عدم وجود لغة أخرى، إن اللغة التي استخدمها هي نفسها لغة وزارة الخارجية أو الرئيس، عندما يتكلمون عن تعلقهم بحقوق الإنسان، و يجب أن أتمكن من استخدام اللغة نفسها لإعادة الامساك بالموضوع، استعادته، و إعادة وصله بالوقائع المعقدة جدا، التي حاول خصومي الذين يتمتعون بفائض من المزايا تبسيطها، خيانتها، أو تمييعها وتقليصها.
من الضروري أن يكون واضحا عند هذا الحد بالنسبة للمثقف الذي لا يتواجد في هذا الموقع لمجرد الدفاع عن مصالح شخص آخر، أن يكون هناك خصوم يتحملون مسؤولية ما وصلته الأمور، خصوم ينخرط الإنسان في صراع مباشر معهم.
‏وإذا كان من الصحيح، وحتى المثبط للهمم، أن كافة المنابر الأساسية، خاضعة لسيطرة أكثر المصالح قوة ، و بالتالي للخصوم الذين يقاومهم الإنسان أو يهاجمهم، فمن الصحيح، أيضا، أن طاقة فكرية متحركة نسبيا يمكنها الاستفادة من نوعية المنابر المتاحة للاستخدام و مضاعفة عددها.
‏من جهة هناك ست شركات دولية هائلة يقف على رأسها ستة رجال، تسيطر على معظم ما يتزود به العالم من أخبار وصور، ومن جهة أخرى يمكن العثور على مثقفين مستقلين يشكلون من ناحية فعلية مجتمعا أوليا، ينفصل عن بعضه من ناحية مادية، لكنه مرتبط بوسائل مختلفة بعدد كبير من جماعات النشطاء، التي تتجاهلها أجهزة الإعلام الرسمية، لكنها تملك تحت تصرفها أنواعا أخرى مما أسماه سويفت ماكينات الخطابة.
‏تأملوا المدى المدهش للفرص المتاحة بواسطة منابر المحاضرات، الكراسات، الإذاعة، الصحافة البديلة، المقابلات، الاجتماعات الحاشدة، منبر الكنيسة، والإنترنت، أشياء على قبيل الذكر لا الحصر.

‏لهذا السبب، السرعة ذات حدين، هناك سرعة الأسلوب الشعاراتي الاختزالي، السمة الأساسية لخطاب الخبراء : دقيق، سريع، شكلاني، براغماتي المظهر ، وهناك سرعة رد وصيغة يمكن للمثقفين، وللمواطنين في الواقع، استغلالها لتقديم تعبيرات ‏أكمل وأكثر شمولية لوجهة نظر بديلة. لا يجب التقليل من شأن الطاقة التحريرية لهذا الوضع الجديد، والخطر الذي يتهدده . […]

مقاومة الخطابات الشموليّة :

[…] ‏توجد في زمننا، وفي كل مكان تقريبا، عبارات من نوع ” السوق الحر‌” ” الخصخصة ” تدخل أقل للحكومة بدلا من تدخل أكثر، و عبارات أخرى مثلها، وقد أصبحت عقيدة العولمة و الشموليات الزائفة ، هي أعمدة الخطاب السائد، وهي مصاغة لخلق قبول وموافقة ضمنية.
تخرج من هذه الرابطة تركيبات أيديولوجية من نوع ‌” الغرب‌” “صراع الحضارات” و ” القيم التقليدية ” و ” الهوية ” (ربما أكثر التعبيرات استعمالا في القاموس الكوني للعولمة هذه الأيام) تستخدم تلك التعبيرات ليس كما تبدو أحيانا، كمحرضات للسجال، بل على العكس من ذلك، تُستخدم لاستغلال النزعة الحربية العميقة والأصولية العاملة على اخماد واجهاض، وسحق المخالفين، كلما جابهت الشموليات الزائفة مقاومة أو محاولات للتساؤل.
‏يتمثل الهدف الأساس لهذا الخطاب السائد في ابتكار المنطق الذي لا يرحم لعملية الربح، والسلطة السياسية كشيء من طبائع الأمور ‌” هذه طبائع الأمور‌” في عملية تستهدف تحويل كل محاولة عقلانية لمقاومة تلك الأفكار نوعا من الأشياء غير العملية وغير الواقعية والخيالية .. الخ.
تقف خلف هذا المشهد الصاخب للسجال النشط حول الغرب والإسلام، مثلا، مختلف الأدوات المعادية للديمقراطية، والتظاهر الكاذب بالتقوى، والتهميش (نظرية الشيطان الأكبر، أو الدولة الخارجة على القانون والإرهاب) و هي تُستخدم لصرف النظر عن الحرمان الاقتصادي والاجتماعي الحاصل في الواقع. […]

المثقف كذاكرة مُضادة :

[…] سأكتفي بالكلام القليل عن ثلاثة أشياء تستدعي تدخل المثقفين والتناول الموسع من جانبهم :
المهمة الأولى حماية و إحباط محاولة تغييب الماضي، ففي تسارع وتيرة التغيير، و إعادة تشكيل التقاليد، و صياغة تاريخ مبسط و منقح، يوجد الماضي في قلب التنافس الذي وصفه “بنجامين باربر” بنوع من التسرع الشديد، كجهاد ضد عالم الماكدونالد.
دور المثقف أولا طرح رواية بديلة ومنظور آخر للتاريخ بدلا من تلك التي يقدمها المحاربون باسم ذاكرة رسمية وهوية قومية، الذين يميلون للعمل بتعبيرات وحدات زائفة، و استغلال تمثيلات مشوهة أو مشيطنة لجماعات منبوذة أو غير مرغوب فيها، والترنم بأناشيد بطولية تستهدف جرف كل ما يقف في وجهها.
‏منذ ” نيتشة” على الأقل، تم النظر بطرق مختلفة إلى كتابة التاريخ، ومراكمة الذاكرة، كأحد الأعمدة الأساسية للسلطة، توجيه استراتيجيتها، والحكم على تقدمها. فلننظر، مثلا، إلى الاستغلال المروع لمعاناة حصلت في الماضي مثل “الهولوكوست” و كيف جرى توظيفها كما جاء الشرح في كتابات توم سيغيف، وبيتر نوفاك، ونورمان فنكلشتين. أو إذا بقينا في حقل العودة و التعويضات، فلننظر إلى التشويه الحاقد، و التناسي، وتغييب ذكرى تجارب تاريخية هامة، لا تملك جماعات ضغط ما يكفي من القوة ‏لطرحها، ولذلك يحكم عليها بالإقصاء والتحجيم.
هناك حاجة في الوقت الحاضر إلى تواريخ غير ثملة، رزينة، تبين بجلاء تعددية و تعقد التاريخ، دون الخروج باستنتاج أنه يسير إلى الأمام بطريقة مجهولة حسب قوانين يحددها إما المقدس أو الأقوياء.

‏المهمة الثانية ؛ بناء حقول من التعايش بدلا من حقول للمعارك، نتيجة للعمل الفكري. ثمة دروس عظيمة يمكن الخروج بها من عملية نزع الاستعمار، وهي أن نزع الاستعمار بقدر ما كان عملا نبيلا و تحريريا، إلا أنه لم يحل في الغالب دون ظهور بدائل قومية قمعية بعد الأنظمة الكولونيالية، و أن العملية سقطت على الفور في الحرب البادرة، رغم الجهود البلاغية لحركة عدم الانحياز، وأن تلك العملية تعرضت للتحجيم والتهميش بواسطة صناعة أكاديمية صفيرة حولتها إلى سباق غامض بين خصوم ملتبسين. وقد عالجت بنيتا باري هذه المسألة بشكل بديع في ورقة ظهرت في الآونة الأخيرة.
‏في السجالات المختلفة حول العدالة وحقوق الإنسان، التي شعر عديد منا بالانخراط فيها، ثمة ضرورة لوجود جزء منها يشدد على الحاجة لإعادة توزيع الموارد، ويدافع عن التزام نظري ضد المراكمة الهائلة للسلطة والمال لأنهما يفسدان الحياة الإنسانية. لا يمكن إيجاد السلام بلا مساواة، هذه قيمة فكرية نحن في أمس الحاجة إلى إعادة تكرارها، وإظهارها، وتعزيزها.

‏غواية كلمة السلام نفسها أنها محاطة، وفي الواقع مشبعة، بتزلف القبول، المديح غير الإشكالي، والتأييد العاطفي. تُضخم أجهزة الإعلام العالمية (كما حدث في الحرب المسموح بها في العراق وكوسوفو) هذا الأمر، تبهرجه، وتبثه بلا تساؤل إلى جمهور واسع يفهم الحرب و السلام كاستعراض للسرور و الاستهلاك الفوري.

‏يحتاج الأمر إلى مزيد من الجهد والشجاعة والعمل والمعرفة لتفكيك كلمات مثل ‌” حرب‌” و “سلا‌م ” إلى عناصرها الأساسية، واستعادة ما وضع خارج عمليات السلام التي صاغها الأقوياء، ثم وضع الحقيقة المفقودة في قلب الأشياء، بدلا من كتابة مقالات عفا عليها الزمن .

‏ربما كان المثقف نوعا من الذاكرة المضادة، بخطابها المضاد الذي لا يمكن الضمير من غض الطرف أو النوم. إن أفضل تقويم، كما قال الدكتور جونسون، هو تخيل الشخص الذي تكتب عنه .الشخص الذي تسقط عليه القنابل في هذه الحالة .يقرأ مقالتك في حضورك. ‏حتى الآن، بما أن التاريخ لا ينتهي أبدا ولا يكتمل، فإن بعض التناقضات الجدلية ‏ لا تقبل التسوية، و لا التجاوز، وغير قادرة على الانضواء في تركيب أعلى، و أكثر نبلا بلا شك.
أقرب الأمثلة بالنسبة لي هو الصراع على فلسطين، الذي آمنت دائما بعدم إمكانية حله ببساطة عن طريق إعادة ترتيب تقنية و كاذبة للجغرافيا. في نهاية بما يسمح للفلسطينيين المسلوبين بحق العيش في عشرين بالمائة من أرضهم، التي ستكون مطوقة من جانب إسرائيل، ومعتمدة عليها بشكل كامل.

[…] تتطلب التجارب المتشابكة، ولكن غير القابلة للتسوية، من المثقف شجاعة القول، هذا ما يوجد أمامنا، بالطريقة نفسها تقريبا، التي أصر عليها ” أدورنو” في كتابته عن الموسيقى، إن الموسيقى الحديثة لن تتصالح أبدا مع المجتمع الذي أنتجها، لكن الموسيقى، و لكن في شكلها الأولى غير المتخلق بعد، و مضمونها و شكلها المصاغ باحتراف يائس، تستطيع العمل كشاهد صامت على البربرية في كل مكان حولنا.
‏يقول ” أدورنو” كل محاولة لدمج عمل موسيقي فردي في إطاره الاجتماعي زائفة. […]

ما رأيك؟