[ نشر هذا المقال بعنوان : Hard Power, Soft Power, and Energy Power في مجلة : Foreign affairs]

ما يزال الجدال قائماً و متكرراً حول أفضل السبل لخدمة المصالح الخارجيّة الأمريكيّة ، و هل إذا ما كانت أفضل تلك السبل تتمثل في “القوة الصلبة/القسريّة -Hard power “– كوسائل الإكراه و القهر مثل القوة العسكريّة – أو ” القوة الناعمة – Soft power” – الأقل عدوانيّة و تعتمد وسائل الإقناع كالدبلوماسيّة و المساعدات/المعونات الاقتصادية و الدعاية -Propaganad ” .

فــ”باراك أوباما” و منذ تولى الرئاسة قد أكدّ على “القوة الناعمة ” مقترحاً أنّ الإفراط في الاعتماد على القوة العسكريّة قد أدّى إلى نفور و ابتعاد عديدٍ من أصدقاء و حلفاء الولايات المتحدة و دون تحقيق الكثير في المقابل .
إلا أنّ عديداً من الجمهوريين و حتى بعض الديمقراطيين اتهموه بالمبالغة في محاولة تصويب” overcorrecting ” الوضعيّة السابقة ، مما أغرى أمثال الرئيس السوري ” بشار الأسد” و نظيره الروسي ” فلاديمير بوتين” بمزيد من التصرفات السلبيّة.

و رغم كل الاتهامات المتبادلة بين الطرفين إلاّ أنهما – واقعيّاً- بدأا بتبني مقاربةً أكثر و سطيّةً ، و أفضل ما يمكن أن تدعى به تلك المقاربة هو “قوة الطاقة-Energy power”.
و ” قوة الطاقة ” هي استغلال مزايا أمة في انتاج الطاقة و التكنولوجيا لتعزيز مصالحها العالمية و تقويض مصالح منافسيها. و هذا قد يعني- على سبيل المثال- توفير الطاقة للأصدقاء و الحلفاء الذين أصبحوا يعتمدون بشكل كبير في سد حاجاتهم على قوى هي في مرتبة الخصوم كما هو الحال في جهود الولايات المتحدة لإبعاد أوروبا عن اعتمادها على الغاز الطبيعي الروسي. كما يمكن أن تعني أيضا [أي قوة الطاقة] نشر منصة تنقيب نفطية في مياه متنازع عليها كوسيلة لتأكيد السيطرة / الهيمنة، كما هو الحال في عمليات التنقيب الصينية في بحر الصين الجنوبي.
كما أنّ قوة الطاقة يمكن أن تستخدم لتدعيم العلاقات مع شريك جيو-استراتيجي، كحالة الاتفاقية النوويّة المصوغة بين الولايات المتحدة و الهند، أو لمعاقبة جارٍ متمرد ، مثلما في إيقاف روسيا المتكرر لإمدادات الغاز الطبيعي إلى أوكرانيا. و مع أنها [ قوة الطاقة] ليست بعنيفة مثل” القوة الصلبة/القسريّة” إلا أنّ “قوة الطاقة” ستخدم تلك السياسات التي تحتاج ما هو فوق مستوى و قدرة “القوة الناعمة”.

و بطبيعة الحال، كانت “قوة الطاقة” لفترة طويلة سمة من سمات الإدارة السياسيّة و فن الحكم الدوليين، فعلى سبيل المثال ؛ عندما وسّعت اليابان إمبراطوريتها – قبل الحرب – في آسيا، فرضت الولايات المتحدة- التي كانت آنذاك مورّد النفط الرئيس إلى اليابان – عقوبات صارمة ، و على نحو متصاعد على صادرات الطاقة لهذا البلد في محاولة لردع أي عدوان ياباني (و فشل ذلك في نهاية المطاف).

و بين 1973 و 1974، سعت الدول العربية الأعضاء في منظمة أوبك لكبح الدعم الخارجي لإسرائيل من خلال فرض حظر على شحنات النفط إلى الولايات المتحدة و هولندا، مما اثار تباطؤاً اقتصادياً عالمياً.

في كل مثالٍ، لم تكن “القوة الصلبة/القسريّة” بعيدةً أبدا عن أذهان صناع القرار الفاعلين، و ما يجعل الوضع مختلفا اليوم هو أن ” قوة الطاقة” قد آن أنّ ينظر إليها باعتبارها بديلا صالحا للقوة الصلبة في وقت يبدو من المستبعد فيه- بين القوى الكبرى على الأقل – استخدام القوة العسكريّة .

و إذا ما تأملنا في استجابة الولايات المتحدة لعمليات التوغل الروسيّة داخل أوكرانيا، ففي الماضي فإن مثل هذا النوع من التصرف كان ليثير مطالبات صارخة بعمل عسكري أمريكي محتمل و انتشار واضح لتشكيلات حربيّة من السفن و الطائرات المقاتلة في مناطق قريبة .أمّا اليوم، فحتى أكثر صقور الجمهوريين تشدداً يستبعدون استخدام القوة ،و كبديل لذلك فقط وظّف الديمقراطيون و الجمهوريون قطاع الطاقة ، كوسيلة مفضلة لزجر “بوتين” .
و من جانبها فقد ارتأت إدارة ” أوباما ” منع التمويل و نقل التكنولوجيا لشركات الطاقة الروسية، بأمل أن يؤدي ذلك إلى تباطؤ الاقتصاد، بينما فضّل الجمهوريون خيارات أكثر قوة ، إذ يرغبون بتسريع توصيل امدادات الغاز الطبيعي الأمريكي إلى الدول التي تعتمد الآن على الإمدادات الروسيّة .

فقد صرّح رئيس مجلس النواب “جون بينر-John Boehner ” في مارس الماضي أنّ “القدرة على قلب الطاولة و وضع الرئيس الروسي في موضع الهزيمة، تكمن/تقع تحت أقدامنا” و “على شكل إمدادات هائلة من الطاقة ” .

كما سعى قادة الولايات المتحدة إلى تطبيق [نظريّة] “قوة الطاقة” على بعض قضايا السياسة الخارجيّة المربكة ، فقد أُستشهد بطفرة انتاج النفط- مؤخراً- في الولايات المتحدة كعامل يضطر إيران للتوصل إلى حل تفاوضي للنزاع حول أنشطتها لتخصيب اليورانيوم. في حين أنّ إيران كانت قادرة على مواجهة العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن من خلال استغلال العطش العالمي لنفطها ، و إنها اليوم لتجد نفسها في عزلة متزايدة ، فبارتفاع انتاج الولايات المتحدة قلّل/كبح من تأثير الصادرات الإيرانية المتضائلة.

طاقة لا محدودة

هنالك عدد من الأسباب التي تجعل “قوة الطاقة” تحتل مركز الصدارة، ابتداءً من التردد في اللجوء إلى ” القوة الصلبة” و خاصة ضد القوى الكبرى، في الوقت نفسه،  فإن الكثيرين في واشنطن أمسوا غير راضين بتوظيف ” القوة الناعمة” وحدها، ساعين إلى أدوات أكثر فعالية لتعزيز النفوذ ، أضف لتلك الاعتبارات تزايد المخاوف بشأن أمن الطاقة و أمن شبكات الإمداد الدولية.

و الأهم من ذلك، يتمثل ربما في الزيادة الكبيرة في إنتاج النفط و الغاز في الولايات المتحدة، فو فقا لوزارة الطاقة؛ قد قفز انتاج الولايات المتحدة من النفط الخام من مستوى منخفض بلغ 5.0 مليون برميل يوميا في عام 2008 إلى ما يقدر بنحو 9.2 مليون برميل في يناير كانون الثاني مشكلاً ارتفاعاً ملحوظا بنسبة 84 % .
و بافتراض أن الأسعار ستعاود الارتفاع من مستوياتها المتدنيّة الحاليّة، فمن المتوقع أن يستمر ارتفاع انتاج الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة المقبلة، ليصل إلى الـ 9.6 مليون برميل المتوقعة في عام 2020.
كما إنتاج الغاز المحلي هو أيضا على وشك طفرة في الانتاج، إذ ارتفع من 20.1 تريليون قدم مكعب في عام 2008 إلى 24 تريليون في عام 2015، و مع حجم انتاج متوقع أن يصل إلى 36 تريليون قدم مكعب في عام 2035.
و على أقل تقدير فإن كثير من المحللين متفقون على أنّ الازدهار الاستثنائي [لقطاع ] الطاقة سيقلل من اعتماد الولايات المتحدة على النفط الشرق-أوسطي ، محررا واشنطن بذلك ، من الانقياد /خضوع طويل الاجل للدول النفطيّة الكبرى .
و ليس ذلك فحسب: فكلما اكتسب الازدهار [ في انتاج الطاقة] زخماً ، فقد يدرك المراقبون – مثلما الدول البترولية في الشرق الأوسط أحياناً- أنّه يمكن للولايات استخدام نفطها و غازها كأداة ضغط لتعزيز مصالحها في الخارج.
إذ – على سبيل المثال- و في إشارة إلى التهديدات الإيرانية لإثارة أزمة نفط عالمية أثناء النزاع حول التخصيب النووي ، فإن ” دانيال يرغين- Daniel Yergin” مؤلف كتاب” الجائزة: ملحمة البحث عن النفط و المال و الطاقة”* و كتاب “البحث : الطاقة، و الأمن و إعادة تشكيل العالم الحديث”** اقترح ان “الامدادات الجديدة في أمريكا ستصبح في غابة الأهميّة باعتبارها مصدرا محتملا للتعويض” عند أي من تلك الخطوات .

و قد كان لهذا المنطق جاذبية واسعة بين أعضاء الحزبين. و في البيت الأبيض، فقد صرّح “توم دونيلون-Tom Donilon” مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، أنّ المزايا الاستراتيجية لزيادة إنتاج النفط و الغاز في الولايات المتحدة: هي ” الوضعيّة الجديدة للطاقة الأمريكية ” كما أعلن : “أن ذلك يمنحنا قوةً أكبر لمتابعة و تنفيذ أهداف أمننا القومي ”
و من بين الجمهوريين فيمكن تسميّة اثنين هما السناتور “جون ماكين” و “جون هوفن-John Hoeven” على سبيل المثال ، قد استخدما لغة مماثلة.

و في افتتاحية صحيفة “وول ستريت جورنال” المعنونة بـ “تهيئة فاعليّة/تأثير الطاقة الأميركيّة للعمل” و فيها يدافعون عن وجوب زيادة صادرات الغاز الطبيعي إلى أوروبا ، إذ يجب علينا -كما قالوا – أنّ “نشر/توزيع مواردنا الطبيعية الخاصة لإضعاف نظام بوتين و تقوية حلفائنا”.

و بينما ما يؤكد الجمهوريون في كثير من الأحيان بأن البيت الأبيض يعوق جهودهم الرامية إلى استخدام ” قوة الطاقة” الأمريكيّة ، و كمثال على ذلك، هو عدم الإسراع في بناء مرافق لتصدير الغاز في شكل سائل (الغاز الطبيعي المسال أو LNG) إلا أنّ الحقيقة هي أن ” أوباما ” عاشق لقوة الطاقة بشكلها الحالي إذ لم تسارع الإدارة بالموافقة على منشآت تصدير الغاز الطبيعي المسال، و حسب ، بل تقدم المساعدة التقنية الى بلغاريا، بولندا و رومانيا و أوكرانيا، و غيرها من مناطق الاتحاد السوفيتي السابق التي تسعى لتطوير مواردها من الطاقة و تقليل اعتمادها على الغاز الروسي.

ففي 15 كانون الثاني- على سبيل المثال- التقى وزير الخارجية الأميركية جون كيري مع المسؤولين البلغار و وعد بدعم الولايات المتحدة للجهود المبذولة لتطوير مصادر جديدة للطاقة فـ “لا يجب أن يعتمد أي بلدٍ في العالم اعتمادا كليا على إمدادات الطاقة من بلد آخر” . كما أعلن في “صوفيا” بأننا ” ملتزمون في محاولة مساعدة جذب الاستثمارات و تقديم المساعدة” لتنويع مصادر الدخل لبلغاريا .

و تبني الإدارة لـ ” قوة الطاقة ” هو أيضاً جزء من الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي، الصادرة عن البيت الأبيض في أوائل فبراير. فـ” انتعاش الطاقة الأمريكية ليس جيداً للنمو فحسب” كما تنص الوثيقة، و لكنه أيضا “يقدم جماية جديدة ضد التوظيف المتعنت للطاقة من قبل البعض و فرصاً لمساعدة الآخرين للانتقال إلى اقتصاديات أقل تلوثياً “منخفضة الكربون-low-carbon economies”
و من حيث لا تختلف [ أي الوثيقة] عن التوظيف الجمهوري [لمفهوم قوة الطاقة]، فإنها تؤكد الحاجة إلى اجراءات متضافرة لتجاوز الأخطار التي يشكلها “الاعتماد الأوكراني و الأوروبي على إمدادات الطاقة الروسية.”

______________________

* The Prize: The Epic Quest for Oil, Money, and Power

** The Quest: Energy, Security, and the Remaking of the Modern World

ما رأيك؟